وأساس دعوته كما قال هو نفسه (1 كو 15: 14) وذكره أشياء فيها - سياسة
منها كما بينا - لم يذكرها أحد قبله ممن رأوا المسيح وشاهدوا أعماله، وهو مع ذلك
لم يقل أنه رواها عنهم، بل قال في رسالته إلى أهل غلاطية (1: 17 - 19)
أنه بعد إيمانه بالمسيح لم يصعد إلى أورشليم إلى الرسل بل ذهب إلى بلاد العرب
ثم رجع إلى دمشق وبعد ثلاث سنين ذهب إلى أورشليم، ولم يقابل فيها أحدا من
الرسل إلا بطرس ويعقوب وجاء في سفر الأعمال (9: 19 و20) أنه كان في
دمشق يكرز بالمسيح أي قبل ملاقاة الرسولين، فهل كان إذا يكرز بقيامته أم لا؟
فالظاهر أن كرازته هذه وإخباره بمسألة القيامة والرؤية بعدها مبنية على دعواه
لنفسه الوحي بها لا لسبب آخر، وهيهات أن يثبت ذلك له، ولذلك قال في رسالته
إلى أهل غلاطية (1: 11 و12) أن إنجيله لم يأخذه عن أي إنسان، بل
بإعلان يسوع المسيح، فهذه هي قيمة شهادته من الوجهة التاريخية فهو لم يكن
راويا شيئا في هذه المسألة وغيرها عن تلاميذ المسيح باعترافه بنفسه [1] ! !
فمبالغاته السابقة في رؤيته هو وغيره للمسيح لا يعول عليها، فإن من يدعي
ويقول لأهل غلاطية (في آسيا الصغرى) إن المسيح صلب بينهم ورأوه بأعينهم
أمامهم مصلوبا (غل 3: 1) لا يبعد عليه أن يقول ما شاء وشاء هواه. فإن
قيل: إن المراد بهذه العبارة التي تشير إليها هو أنهم رأوا رسمه وصورته مصلوبا [2]
كما ترجموه في النسخ العربية، أو المراد تصويره لهم وصفا وتعبيرا. قلت: وما
فائدة هذا الكلام إذا وما قيمته؟ وأي حجة فيه على أهل غلاطية أو غيرهم الذين
سماهم أغبياء؛ لأنهم خالفوه ولم يذعنوا له؟ وهل مثل هذا التصوير الكلامي أو
الكتابي يكفي لإقناع الناس بمسألة الصلب أو بصدقه فيما يدعيه؟ {إن هذا لشيء
عجاب} (ص: 5) ولماذا أضاعه النصارى إن كان مقنعا للناس لهذه الدرجة؟
الحق والحق أقول: إن النصارى في دينهم واهمون، وعن طريق الصواب
ناكبون، هداهم الله إلى الطريق القويم والصراط المستقيم.
* * *
تذييل للفصل السابق
جاء في إنجيل يوحنا (يو20: 23) أن المسيح حينما قابل تلاميذه بعد قيامته
من الموت قال لهم: (من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت)
ومن لم يأت في عبارته هذه بقيد ولا شرط غير ما تراه فيها من تفويض الأمر كله
للتلاميذ؛ فلنسأل هنا الأسئلة الآتية:
1- هل إذا غفروا لمذنب لم يتب تغفر ذنوبه أم لا؟ فإن غفرت فأين إذا
العدل الإلهي، وقد ساووا الطالح بالصالح بكلمة منهم واحدة؟ وأي فائدة للتوبة
والاستقامة ما دام الأمر موكولا لهم يهبونه لمن شاؤوا متى شاؤوا ولو لم يستحقه؟
وهل لا يحمل قول المسيح هذا - إذا صح - النفوس على ترك كل عمل من أعمال
البر والتقوى، والسعي فقط فيما يرضي هؤلاء التلاميذ ونوابهم كالملق لهم أو دفع
مال، أو غير ذلك، وترك ما يرضي الله تعالى ما دام الأمر في يدهم لا في يده
تعالى؟ فأي إباحة للشرور والمفاسد أعظم من ذلك؟ وهل لا تعذر النصارى الذين
عبدوا هؤلاء القديسين من قديم الزمان بعد أن علموا - من نصوص كتبهم - أنهم
يمكنهم أن يفعلوا بهم ما لم يفعله الله نفسه فيغفروا ذنوبهم ولو كانوا على العصيان
والشر مقيمين؟ وأي قدرة أكبر من ذلك؟ وإن لم تغفر ذنوب المذنب إلا بالتوبة
إلى الله والعمل الصالح فلم لم يشترط ذلك المسيح في عبارته هذه، وجعلها مطلقة
كما ترى؟
وإذا اشترط ذلك فما تكون إذا فائدة غفران تلاميذه؟ وأي فرق بين وجوده
وعدمه؟ وما مزيتهم على غيرهم؟ وهل لا تكون هذه العبارة عبثا ظاهرا وقدرة
موهومة أعطاها لتلاميذه؟ وكيف يصل علم هؤلاء التلاميذ إلى أسرار نفوس الناس
والوقوف على حقيقة أمرهم حتى يعلموا إن كانت توبتهم صادقة صحيحة يستحقون
لأجلها الغفران أم لا؟ فهل أصبحوا آلهة بكلمة المسيح هذه؟ فغفرانكم أيتها الآلهة،