الظلم ورفع النفوس إلى أعلى ذروة من الكمال البشري وأطلقها من أسر التقليد
والأوهام والخرافات للعمل النافع، والتعقل والتفكر في الدنيا والآخرة (راجع
القرآن 2: 219) فانتشر في العالم بسرعة خارقة للعادة: العلم، والحرية
الصحيحة، والإخاء والمساواة والإيمان بالحق، والمدنية الراقية التي كانت أساسا
لمدنية أوربة الحالية [4] فلله دره وما أكبره من مصلح عظيم ونبي كريم، ورسول
من الله أتى بالخير العميم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، فلولا وحي الله إليه لما
أمكنه الإتيان بعشر ما أتى به وهو ربيب الجاهلين المشركين الوثنيين، ولم يغب عن
قومه غيبة تمكنه من تعلم القليل فضلا عن الكثير، وأي بلاد كان فيها جميع ما
أتى به الإسلام من الحقائق والعقائد الراقية والمبادئ الصحيحة والأصول القويمة
للدين الحق الكامل في كل شيء؛ مع أن بعض هذه الأشياء لم تقف عليها أرقى
علماء الغرب أو لم يجزموا بها إلا في الأعوام الأخيرة.
وقد كانوا قبل ظهور الإسلام إلى مئات من السنين بعده كالأنعام لا يهتدون إلى
العلم والحق سبيلا، يسوم بعضهم بعضا سوء الظلم والاستبداد والاستعباد
والاضطهاد حتى أضاء لهم قبس من نور الإسلام في الشرق فكان لهم هاديا وللرقي
دليلا، سنة الله في كل من اتبع مبادئ دينه القويم {فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن
تجد لسنت الله تحويلا} (فاطر: 43) ولا يتوهمن القارئ مما ذكرناه هنا أن
أحدا من المسلمين يقول: إن جميع ما أتى به الإسلام لم يكن معروفا عند الأمم
الأخرى قبل نزول القرآن، كلا فإن هذه الدعوى لم يدعها أحد من المسلمين ولن
يدعيها، كيف وقد قال القرآن الشريف نفسه: {شرع لكم من الدين ما وصى به
نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا
تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} (الشورى: 13) الآية، وقال:
﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (النحل:
123) وقال: ﴿ولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ (طه: 133) وقال:
﴿إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى﴾ (الأعلى: 18-19)
وقال: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون * وإنه
لهدى ورحمة للمؤمنين} (النمل: 76-77) وغير ذلك كثير، فما في القرآن مما
يوجد مثله في الأديان الأخرى القديمة نوعان:
1- إما أن يكون مما أوحاه الله إليهم وأبقاه الإسلام لما فيه من المصلحة للناس.
2- وإما أنه من الأشياء المستحسنة الصالحة التي وصل إليها الناس بعقولهم؛
وكانت موافقة لحالتهم ونافعة لهم، فأقرها الإسلام ولو لم تكن في الأصل وحيا فإن
الغرض من نزول القرآن وغيره من الكتب الإلهية هو الإصلاح لا محو كل شيء
موجود من قبل ولو كان صالحا نافعا، فإن الأنبياء مصلحون لا إعداميون، قال
تعالى على لسان شعيب: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله
عليه توكلت} (هود: 88) ولا شيء أكثر موافقة لحال الناس مما وصلوا إليه
بأنفسهم ففائدة الوحي إذا إلى الأنبياء هي:
أولا: إرشادهم إلى أصلح الموجود وأنفعه لأممهم ليبقوه وليمحوا الفاسد الضار
من بينهم، ولو اعتمدوا على العقل وحده في هذه العمل لوقعوا في الخطأ والضلال
من حيث يريدون النفع، ولذلك قال في الآية السابقة:] إن أريد إلا الإصلاح ما
استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [ (هود: 88) .
ثانيا: هي الإتيان بأشياء جديدة لم تكن تعرفها الأمم السابقة وقد بينا بعض ما
أتى به الإسلام مما لم يسبقه به أحد في بعض كتبنا ورسائلنا فلا حاجة للتكرار هنا.
فما في القرآن موافقا لما عند الأمم الأخرى إنما هو لصحة ذلك عن أنبيائهم أو
لصلاحه ونفعه، وما فيه مخالفا لها هو لفساده وخطئه وضرره لتحريف كتبهم على
ممر الأزمان، فإن القرآن جاء ليبين لهم ما كانوا فيه يختلفون.