تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ناجين حتما.

أما حقيقة الشرك الذي لا يغفره الله تعالى، والذي حرم الله على صاحبه الجنة

فهو مبين في القرآن في مواضع كثيرة جدا، وينقسم إلى شرك في الألوهية بعبادة

غير الله تعالى، ومخ العبادة وجوهرها الدعاء أي طلب الخير ودفع الشر في الدنيا

والآخرة، وشرك في الربوبية باتخاذ بعض الناس شارعين يحلون لهم ويحرمون

عليهم ويشرعون لهم ما لم يأذن به الله فيتبعونهم، وقد شرحنا ذلك مرارا كثيرة في

المنار في التفسير منه وغير التفسير.

والمعطل المنكر لوجود الله تعالى لا يسمى مشركا، ولكنه شر من المشرك،

فإذا كان الله لا يغفر لمن يؤمن بأنه الحق الخالق الرازق إذا توجه إلى غيره معه

ودعاه من دونه، ولو ليقربه إليه زلفى، فهل يغفر لمن جحده مطلقا؟ ولا نرى

وجها لتفرقة السائل بين الشرك باعتقاد تعدد المستحق للعبادة وتعدد واجب الوجود،

فإن المسلمين مجمعون على أن المستحق للعبادة هو واجب الوجود، وواجب الوجود

هو المستحق للعبادة، وهو الله تعالى، لا تصدق العبارتان إلا عليه تعالى، وإن

اختلفتا في المفهوم، والعبارة الثانية من اصطلاحات المتكلمين تبعا للفلاسفة، فما

ذكره من الشرك واحد، والنصارى لا يقولون بتعدد واجب الوجود كما قال، ولكن

لهم فيه فلسفة لا تعقل؛ وهي التوحيد مع التثليث، أما من يتوهم أن عند الله فرقا

بين المشركين باختلاف من أشركوهم معه في الدعاء أو غيره من خصائص

الألوهية والربوبية فهو - كما يعلم السائل الموحد - جاهل أحمق؛ إذ العبرة بحقيقة

الشرك لا بأصناف الشركاء، فلا فرق بين من أشرك به ملكا أو نبيا، ومن أشرك

به كوكبا أو حجرا أو شيطانا، وفي مشركي المسلمين من أشركوا بالله بعض آل

بيت نبيه بالعبادة والدعاء، ومنهم من أشركهم بالتشريع أيضا كأصناف الباطنية

وآخرهم البابية، ومن هؤلاء من انسلخ من اسم الإسلام كما انسلخ من معناه، ومنهم

من حافظ على انتحال اسمه مع لقب مذهب أو طريقة أو طائفة، ولو على سبيل

التقية، ومنهم من أشرك من دون آل البيت حتى النبات والجماد على نحو ما كان

عليه مشركو الجاهلية وغيرهم، فأما المحافظون على اسم الإسلام وشرائعه الظاهرة

فما نزغ به الشيطان بينهم جهل يسهل على العلماء إرجاعهم عنه إذا بينوا لهم

التوحيد الخالص من غير تأويل، وأما من ليسوا كذلك فقد صاروا أبعد عن الإسلام

من كثير من الوثنيين الخلص، وكل ذلك معروف.

الجواب على تسمية الأصنام عبادا

لم ير أشهر المتقدمين من المفسرين إشكالا في إطلاق لفظ عباد على

الأصنام، فابن جرير الذي هو أشدهم عناية بتقرير كل ما كان يعد مشكلا والجواب

عنه، لم يورده في الآية وفسر العباد بالأملاك. وأما من بعدهم فقد أوردوا ذلك

وأجابوا عنه. فالرازي ذكر جوابين:

أحدهما: أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا فيها

كونها عاقلة فاهمة فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم، ولذلك قال:

﴿فادعوهم فليستجيبوا لكم﴾ (الأعراف: 194) وقال: ﴿إن الذين﴾ (الأعراف:

194) ولم يقل (التي) .

ثانيهما: أن هذا لغو، ورد في معرض الاستهزاء بهم، أي قصارى أمرهم أن

يكونوا أحياء عقلاء، فإذا ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم، فلم جعلتم

أنفسكم عبيدا وجعلتموهم آلهة وأربابا؟ ثم أبطل أن يكونوا عبادا أمثالكم، فقال:

﴿ألهم أرجل يمشون بها﴾ (الأعراف: 195) إلخ. ثم أكد هذا البيان بقوله:

﴿فادعوهم فليستجيبوا لكم﴾ (الأعراف: 194) ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع

وكشف المضار من جهتهم. واللام في قوله: ﴿فليستجيبوا﴾ (الأعراف: 194)

لام الأمر على معنى التعجيز. والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على

الإجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية. اه. المراد منه، وما هو إلا شرح

لعبارة وجيزة في الكشاف لا تبلغ السطرين.

وأقول: إن تنزيل الأصنام منزلة العقلاء يؤخذ من إعادة ضمير العقلاء عليها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٠٣