إن لم يؤخذ من لفظ (عباد) وأخذها من الضمير أظهر، فإن هذا اللفظ يدل
في أصل معناه على التسخير والتذليل، ولذلك قالوا: إن العبادة مشتقة من قول
العرب: طريق معبد وهو الذي سلك كثيرا حتى صار سلوكه سهلا؛ لكونه ممهدا
مذللا. قال الراغب: والعبادة ضربان: عبادة بالتسخير، وهو كما ذكرناه في
السجود، وعبادة بالاختيار، وهي لذوي النطق. ثم قال: والناس كلهم عباد
الله، بل الأشياء كلها كذلك، ولكن بعضها بالتسخير وبعضها بالاختيار. اه.
وقال في مادة سجد: السجود أصله التطأمن والتذلل، وجعل عبارة عن التذلل
لله وعبادته وهو عام في الإنسان والحيوان والجمادات، ثم ذكر أنه ضربان: سجود
اختيار وسجود تسخير، وأن هذا عام للإنسان والحيوانات والنبات. وذكر الشواهد
من الآيات، ومنها سجود النجم والشجر وسجود الظلال كأنه جعله تابعا للشجر.
فعلم من هذا أن إطلاق لفظ (عباد) على الأصنام له وجه في اللغة، وعده
منافيا لإثبات كونهم جمادا ليس قويا. وإنما يتجه إذا دعم بالسؤال عن نكتة إعادة
ضمير العاقل عليها، وملخص الجواب أن من سنن البلاغة العربية التي تكثر في
القرآن تنزيل غير العاقل منزلة العاقل، إذا أسند إليه فعل العاقل أو اعتقد له أو
وصف به، فما هنا من هذا القبيل، فإن الأصنام لم تعبد بالدعاء إلا وقد جعلها
الداعون ذات علم وإرادة وقدرة، فكان الكلام معهم والاحتجاج عليهم بحسب ذلك.
ويمكن أن يبنى ذلك على أن التوجه إلى الأصنام ليس لذاتها بل لكونها تمثل
من وضعت تذكارا لهم من الصالحين، وأنهم هم الذين كانوا يدعونهم في الحقيقة
لصلاحهم الذي جعلوهم به واسطة بينهم وبين الله عز وجل، يقربونهم إليه زلفى
ويشفعون لهم عنده، وقد ورد عن السلف ما يثبت أن الأصنام والتماثيل وضعت
لذلك، روى البخاري وابن المنذر عن ابن عباس قال: صارت الأصنام والأوثان
التي كانت في قوم نوح في العرب: أما ود فكانت لكلب في دومة الجندل، وأما
سواع فكانت لهذيل وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف عند سبأ، وأما يعوق
فكانت لهمدان، وأما نسرا فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، وكانوا أسماء رجال
صالحين من قوم نوح فلما هلكوا (أي ماتوا) أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا
إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا
هلك أولئك ونسخ العلم عبدت اه. وروي في هذا المعنى غير ذلك، ومنها أنهم
من أولاد نوح أو آدم. ومنه تعلم أن أصل بلية الشرك الغلو في تعظيم الصالحين
وتعظيم ما يذكر بهم أو ينسب إليهم، وقد ينسى المذكر بهم فيعتقد أنه ينفع أو يضر
بنفسه.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">