يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا
حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} (الأحقاف: 5-6) وقوله:
{قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا *
أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون
عذابه} (الإسراء: 56-57) وقوله: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا
* كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} (مريم: 81-82) وقوله:
{والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما
يشعرون أيان يبعثون} (النحل: 20-21) فهل يعقل أن الأصنام بمعنى الجماد
تتصف بهذه الصفات التي وصف بها المدعوون في هذه الآيات التي جاءت بشأن
الفريق الثاني؛ إذ لا يعقل أن يتصف الجماد بالغفلة أو بضدها أو يتصف بالعداوة
وضدها أو بالكفر وضده، ولا يتأتى أن تبتغي إلى ربها الوسيلة؛ وأن ترجو رحمته
وتخاف عذابه، ولا يمكن أن تكون الأصنام بمعنى الجماد ضدا على المشركين يوم
القيامة ولا يتصور أن يوصف الجماد بموت أو حياة أو شعور ببعث، فمن عنده أدنى
مسكة من عقل يدرك أن جميع هذه الصفات لا تنطبق على الأصنام بمعنى الجماد؛ بل
لا تنطبق إلا على المقربين من الملائكة أو الأنبياء أو الصالحين الأولياء. اه.
* * *
جواب المنار
عن حديث من يخرج من النار، والإيمان المنجي
قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: 48) وقال تعالى: {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي
وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من
أنصار} (المائدة: 72) وقال تعالى في سياق محاجة إبراهيم لقومه في التوحيد
والشرك ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ (الأنعام: 82) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك، وهو نكرة
في سياق النفي يفيد أن الأمن من العذاب المقيم الذي أعده الله للمشركين خاص بمن
آمنوا إيمانا لا يشوبه شيء ما من الشرك، وإن كان مثقال حبة من خردل.
وقد بينا حكمة ذلك في تفسير آيتي ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ (النساء:
48) فراجعه في تفسيرهما من مجلد المنار الخامس عشر.
فعلم أنه لا مندوحة عن حمل حديث البخاري المسئول عنه على ما يتفق مع
هذه الآيات، وأن يراد بمثقال الخردلة من الإيمان فيه المثال للإيمان الخالص الذي
لا يشوبه مثقال خردلة من شرك، وهو الذي يعتد به في النجاة وإن لم يترتب عليه
ما يترتب على الإيمان الكامل من الآثار العملية والنفسية لأسباب منعت من ذلك،
كأن يموت المرء عقب اهتدائه إلى التوحيد الصحيح فلم يتم في قلبه، ولم يترعرع
إلى أن يكمل وتصدر عنه آثاره.
فإن لم يكن هذا هو المراد بالحديث كان معارضا لهذه الآيات، ولا يمكن
ترجيحه عليها أو إرجاعها إليه والقول بأن مثقال حبة من خردل من إيمان مشوب
بالشرك ينجي صاحبه من النار بعد دخولها ويجعله من أهل الجنة، ولم يقل بهذا
أحد من المسلمين بل أجمعوا على أن الشرك بالله لا يغفر منه شيء، ومن تلوثوا به
من المسلمين جنسية لا يسمونه شركا بل يسمونه اسما آخر، إلا من لم يبال بلقب
الإسلام كالباطنية بعد تكونهم شيعا ذوات عصبية، ثم إنه لا يمكن جعل ذلك خاصا
بأمة من الأمم، ولا شك أنه يصدق على مشركي العرب في زمن البعثة أنه كان في
قلوبهم إيمان كحبة الخردل أو أعظم، وإنما المراد بحبة الخردل منتهى القلة؛ فإن
القرآن شهد لهم بأنهم يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق، وفيهم نزل {وما يؤمن
أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} (يوسف: 106) والآيتان اللتان أوردهما السائل
في سؤاله بعد هذه الآية، لا في المسلمين الذين يشركون كشركهم، فلو كان الإيمان
بوجود الله مع اتخاذ شركاء بذلك المعنى منجيا لكان مشركو العرب في الجاهلية