تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(14) حاشية: لو جارينا النصارى في طريقتهم لإثبات قدم كتبهم، لقلنا: إن عبارة جلوس التلاميذ على اثني عشر كرسيا الواردة في إنجيل متى تدل على أن هذا الإنجيل كتب قبل حادثة الصلب وقبل تسليم يهوذا - وهو أحد الاثني عشر - للمسيح وإلا إذا كان هذا الإنجيل كتب بعد ارتداد يهوذا لما ذكر كاتبه فيه إلا أحد عشر كرسيا تفاديا من نسبة الخطأ إلى المسيح، فلا أدري لم لم يقولوا بذلك وقد كانوا يجدون لهم أنصارا كثيرين، فهذا مثل من أمثلة براهينهم على قدم كتبهم! فإن قيل: لعل الكاتب أخذ هذه العبارة عن بعض مكتوبات قديمة كتبت قبل حادثة الصلب ولم يصلحها لعدم التفاته، أو لأنها تقبل التأويل حيث قد انتخب متياس بدل يهوذا (أع 1: 26) قلت: كذلك نحن نقول في بعض عبارات كتبهم التي تدل على القدم، فإن مؤلفي الأناجيل أخذوها أحيانا كما هي عمن قبلهم لعدم التفاتهم أو لأنها تقبل التأويل ولو مع التكلف الزائد كما فعل النصارى فيها بعد ذلك، وأحيانا حوروها لتكون أقرب للتأويل مما كانت أو حرفوها، مثال ما فيها مما أولوه قول متى عن لسان المسيح ... (24: 34) : (الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله) فإذا صح أن الجيل قد يراد به في لغتهم الصنف من الناس كالأمة اليهودية كلها، فالكاتب إنما استعمله بهذا المعنى، وعليه فهو لا يدل على قدم الإنجيل، وإذا كان هذا اللفظ لا يراد به إلا الطبقة الموجودة في زمن ما؛ كان هذا القول دليلا على أن هذا الإنجيل كتب قبل انقراض جميع معاصري المسيح وحينئذ يكون عيسى نفسه مخطئا في هذه العبارة، فهي إما أن تكون صحيحة والإنجيل ليس بقديم، وإما أن يكون الإنجيل قديما وعيسى مخطئا، فأي الوجهين يختارون؟ وأما القول بأنها صحيحة وأنها تدل على قدم الإنجيل فهذا مما لا أفهمه، والحق أنه لولا عدم التفات أولئك الكتبة لما وجد في كتبهم ما وجد فيها من التناقض والغلطات التي لا تحتاج لكبير تأمل أو تفكر؛ ولذا كان منهم من ناقض نفسه بنفسه في الكتاب الواحد بل في العبارة الواحدة، راجع صفحة 48.

(15) إن كان هؤلاء الناس معصومين من الخطايا فكيف راءى بطرس اليهود في أنطاكية حتى قال عنه بولس: (إنه كان ملوما أو مدانا وإنه هو ومن معه لا يسلكون باستقامته حسب حق الإنجيل) (غل 2: 11-14) وكيف أنكر المسيح وقت أخذه للصلب وأقسم أنه لا يعرفه (مر 14: 71) وإن كانوا غير معصومين فكيف إذا يغفرون للناس ذنوبهم وهم، فوق ما تقدم، عديمو الإيمان كما قال لهم المسيح (مت 17: 20) أليس اليهود أفضل منهم؛ لأنهم امتنعوا عن إدانة الزانية، حينما ذكرهم المسيح بخطاياهم، وبكتتهم ضمائرهم (يو 8: 7-11) وأما هؤلاء فيدينون الناس (أع 13: 11) ويمسكون خطاياهم (يو 20: 23) وهم أنفسهم مدينون فلم ذلك؟ وما حكمته؟ وهل هو مما تسعه عقول النصارى أيضا كما وسعت التثليث وغيره؟ وهل لا يزال البروتستنت منهم ينكرون أن مسألة الاعتراف وبيع أوراق الغفران Indulgences والقطع من الكنيسة والسلطة الباباوية وغير ذلك مما تسببت عنه مفاسد عديدة يعرفونها بين جميع النصارى منذ القدم - إنما نشأت كلها من عبارات كتبهم هذه التي - في الحقيقة - ما وضعها الآباء فيها إلا ليبنوا عليها سلطتهم بدعواهم أنهم خلفاء المسيح ورسله ونوابه فيكون لهم من السلطة والحقوق ما لأولئك سواء بسواء، وإذا كان للتلاميذ حق التصرف في ملكوت السموات، فكيف أصبح البروتستنت ينكرون على الرؤساء الروحانيين وهم خلفاء التلاميذ طبعا حق التصرف في هذه الأرض الصغيرة الحقيرة، وهو الحق الذي يدعونه دائما لتبقى الناس في أيديهم كالأنعام كما كانوا منذ القرن الأول؟ أليس إنكارهم هذا أثرا من آثار العقائد الإسلامية التي وصلت إلى مصلحيهم من حيث لا يشعرون، أم هم يكابرون؟ وقد جاء بها النبي الأمي في أزمنة الجاهلية والعالم كله في الضلال المبين.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٨٣