تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(10) كان أقدم فرق النصارى يعتقدون أن المراد بالبارقليط شخص يظهر بعد عيسى لا روح القدس، (الأقنوم الإلهي عندهم) ومن هذه الفرق القائلة بذلك الغنوسيون Gnostics ومنهم الماركيونيون أتباع ماركيون Marcion من أهل القرن الثاني الذين ادعى بعضهم أن المراد بالبارقليط (بولس) راجع كتاب مصادر النصرانية لتوماس ويتاكر صفحة 144. وفي نحو سنة 156 ميلادية ادعى منتانوس Montanue النبوة في فريجية Phrygia قسم من آسيا الصغرى، وقال أنه هو البارقليط وصدقه في ذلك أناس كثيرون من النصارى وغيرهم إلى القرن الرابع، وفي أيام (ماني) Mani كان النصارى ينتظرون مجيء البارقليط، فلذا ادعى هذا الرجل أنه هو، وكان ذلك في سنة 275 - 276 راجع قاموس تشمبرس Chambers وكتاب (المسحاء الوثنيين) لروبرتسن Robertson صفحة 268 و274 وكتاب (ملخص تاريخ الدين) مجلد 3 ص 236 وقد بين صاحب كتاب (إظهار الحق) أيضا أن النصارى كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون تحقق بشارة عيسى هذه بنبي يظهر بعده، فدعوى النصارى الآن أن المراد بها روح القدس وأنها منذ القدم فهمها الناس بهذا المعنى - هي دعوى كاذبة، وإنما اتفق عليها النصارى بعد محمد صلى الله عليه وسلم الذي تحققت ببعثته هذه النبوة فرارا من الإيمان به عنادا وحسدا (راجع أيضا كتاب دين الله ص118 - 120) ويؤيد ذلك أيضا أن إنجيل يوحنا صرح أن أهل الكتاب كانوا في زمن عيسى عليه السلام منتظرين ثلاثة أشخاص لا بد من مجيئهم - بحسب الكتب المقدسة - قبل يوم القيامة، وهم إيليا والمسيح والنبي (انظر يو 1: 19 - 26 و7: 40 و41) وصريح عبارات يوحنا المشار إليها هنا أنهم كانوا لا يفهمون من كتبهم أن المسيح غير النبي كما هو ظاهر لمن راجعها، فدعواهم الآن أن المسيح الذي كانوا ينتظرونه هو هو عين النبي، دعوى مردودة بنصوص كتبهم وبالتاريخ أيضا كما بيناه هنا؛ والظاهر أنهم اتفقوا عليها بعد ظهور محمد صلى الله عليه وسلم كما قلنا، فالنبي المبشر به في العهد القديم، انظر مثلا (تت 18: 15 - 22) هو هو البارقليط في العهد الجديد الذي بشر به عيسى، ولا بد من ظهوره بعده، وقد كان ذلك ولله الحمد، فظهر محمد مصدقا لما عندهم عنه من التوراة والإنجيل، راجع أيضا فصل (البشائر) في كتابنا (دين الله) .

(11) مسألة الرؤية هذه تشبه من بعض الوجوه رؤيا النبي (ص) عند المسلمين في المنام، فإنهم أيضا يقولون: إنه لا يظهر إلا للمؤمنين الصالحين، وقد خيل لبعض متصوفيهم أنه رآه وكلمة يقظة أيضا.

(12) إذا كان بولس صادقا في حكاية هذه التخيلات وما ماثلها، فالأرجح أن السبب في حصولها له هو كونه عصبي المزاج كثير التفكير والإجهاد لقواه العقلية والجسمية، مع أنه كان مصابا بداء الصرع، كما يفهم من عبارته عن نفسه الواردة في (2 كو 12: 7-9) وأمثال هذه التخيلات معتادة عند أهل الصرع وغيرهم من ذوي الأمراض العصبية، ومن أشهر مشاهير رجال العالم العظام - كنابوليون بونابرت ويوليوس قيصر - من كان مصابا بالصرع مثله، فإن ذلك لا ينافي كونه عاقلا ذكيا مدبرا.

(13) لذلك ذكر رؤيتهم للمسيح في أول رسالة - كتبها كما يقولون - بعد رسالته إلى أهل

تسالونيكي، قال: هذه الرسالة التي لأهل كورنثوس كتبها سنة 57 م حينما بلغه أن بعض الناس أنكروا رسالته، وقالوا: إن تعاليمه تغاير تعاليم بطرس وغيره من التلاميذ، فذكرهم جميعا فيها تملقا لهم لئلا يخرجوا عليه ويكذبوه ويؤيدوا كلام الناس فيه، وقد دارى في رسالته هذه أيضا أيلوس اليهودي السكندري البليغ الذي كان مزاحما له (راجع 1 كو 3: 6-9 و16: 12 وأعمال 18: 24 - 28) وأما رسالته إلى أهل غلاطية التي احتد فيها على التلاميذ - كما بينا - فكتبها بعد ذلك سنة 58 م على ما يزعمون ثم عاش بولس بعدها نحو عشر سنين؛ لأنه مات سنة 68 وكان وقتئذ قد طار صيته بينهم حتى ملأ ذكره الآفاق لدهائه وسياسته وعلمه ونشاطه أكثر من سائر رفقائه.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٨٢