وكان رجمه بعد أن ألقى عليهم خطابا طويلا كما هو مذكور في الإصحاح السابع من
سفر الأعمال وليس في هذا الخطاب ذكر لقيامة المسيح من الموت ولا لرؤية أحد له
بعد هذه القيامة المزعومة، بل قال: إن اليهود قتلوه كما قتلوا قبله أنبياء كثيرين
(أع 7: 52) .
ومن عبارة استفانوس هذه يفهم أن بعض اليهود المتنصرين في أوائل
المسيحية لم يكونوا يعتبرون الصلب والموت مقللا من قيمة المسيح عندهم ولا
مزلزلا لعقيدتهم فيه بل كانوا يعدونه من مصائب الدهر التي أصابت المسيح،
وأصابت غيره من أنبياء الله السابقين، الذين تعود اليهود قتلهم من قديم الزمان.
فقول المبشرين الآن: إنه لولا قيامة المسيح من الموت ما قامت للنصرانية
قائمة؛ لأن صلبه [17] وقتله زلزل عقيدة تلاميذه فيه، وبرؤيتهم له بعد الموت
انتعشت نفوسهم - إنما هو قول باطل؛ لأن التلاميذ ما كانوا يعتقدون استحالة الموت
والقتل عليه ولم يعتبروا حصول ذلك إلا شيئا معتادا بين الكثيرين من الأنبياء قبله
فهو ليس بدعا من الرسل في ذلك. وهذا الاعتقاد هو الذي كان فاشيا فيهم قبل أن
ينبههم بولس وأضرابه من مفكريهم البصيرين بحال أمتهم ومستقبلها الغيورين عليها،
إلى حكمة حصول الصلب والموت للمسيح، وهي خلاص البشر به، فبعدئذ
أصبحوا ينظرون إلى الصلب بغير نظرهم إليه أولا، واعتبروه أكبر ما يشرف
المسيح ويرفع منزلته في عيون الناس أجمعين، فصاروا بعد ذلك يدعون إلى عقيدتهم
هذه فرحين مسرورين (1كو 1: 18) نعم يجوز أنه لولا أن تنبهوا إلى هذه
الحكمة لكان يمكن لليهود أن يؤثروا في بعض عامتهم الضعفاء ويزلزلوا عقيدتهم في
المسيح أو يحولوا بعضا منهم عن الإيمان به. فالذي حمى النصارى من ذلك أولا
هو علمهم بما حصل للأنبياء قبله من الاضطهاد والأذى والقتل والمرض وغيره من
مصائب هذه الحياة التي يجب ملاقاتها بالسكينة والصبر والرضا بقضاء الله وقدره
انظر (أع 2: 23)
وثانيا: هو الحكمة التي اخترعها لهم بولس وغيره أو نبهوهم إليها، ولو أن
بولس جعل قيامة المسيح من أكبر أسس هذه الحكمة إلا أنه كان لا شك يمكنه
الاستغناء عن القول بها لولا ميله الفطري دائما إلى الغلو والإغراق في كل ما
اعتقده وارتآه كما هو ظاهر من رسائله ومن أعماله قبل دخوله في المسيحية وبعده
فقوله بها إنما كان من زيادة غلوه في تكريم المسيح [18] ومحقا لشماتة اليهود به
وغيظا لهم واستمالة للوثنيين بتقليد عقائدهم في مخلصيهم. وهو في تحوله هذا
السريع من بغض المسيحية واضطهاد أتباعها إلى محبتها ونصرتها يشبه عمر بن
الخطاب في تحوله فجأة من عداوة الإسلام وأهله إلى محبته ونصرته، هذا إذا سلمنا
قصة بولس الواردة في كتبهم، وفرضنا أن ما نصره وأحبه هو المسيحية لا ديانة
جديدة هو الواضع لها، ولكننا نرى أن علماء الإفرنج المحققين قد أصبحوا الآن
يشكون في كل ما رووه ونقلوه؛ لما علموه عنهم من كثرة التحريف والاختلاق،
وهو الأمر الذي قرره القرآن منذ نزوله (راجع مثلا 2: 75 و76) ولكنهم كانوا
وقتئذ يكابرون ويكذبون.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الدكتور
... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد توفيق صدقي
... ... ... ... ... لها بقية
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) ذهب بعض مفسريهم الآن لرفع الخلاف بين إنجيل يوحنا ومرقس (15: 25) في ساعة الصلب إلى أن ساعة يوحنا رومانية وساعة مرقص عبرية، وقد رددنا على هذه الدعوى في رسالة الصلب (ص93 و94) ونزيد الآن أن الباحثين في تواريخ الأمم قد عرفوا خطأ هذه الدعوى مطلقا، فإن الرومانيين لم يكونوا يعدون ساعاتهم كما يعدها الإفرنج الآن، وإنما كانوا يعدونها من شروق الشمس، واليهود من الغروب كالعرب راجع كتاب (التوراة غير موثوق بها، تأليف Walter Jekyll ص86) وعليه فتفسيرهم لهذه المسألة منقوض من أوله إلى آخره ومبني على الخطأ والجهل، وقياس القديم بالحاضر في عادات الأمم، وما دامت كتبهم مملوءة بالخطأ والتناقض والتحريف والتبديل والزيادة والنقصان في المسائل الطفيفة وغير الطفيفة، وما داموا يسلمون بخطأ النساخ الكثير فيها بل بالزيادة عمدا حتى في بعض العقائد المهمة كما في رسالة يوحنا الأولى (5: 7 و8) فكيف بعد ذلك يمكنا أن نقطع بشيء فيها أو نجزم بأنه من قول المسيح أو تلاميذه وأنه لم يزد خطأ أو عمدا وخصوصا لأن أقدم ما عندهم من النسخ لا يتجاوز - على قولهم - القرن الرابع (راجع كتاب صدق المسيحية لمؤلفه Turton ص 309 و310) ولا أدري إذا كان الله يريد أن تكون هذه الكتب هداية للبشر في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، فلم لم يصنها عن كل ما حصل لها وما وقع فيها حتى تطمئن نفوس الناس إليها وخصوصا أهلها الذين أصبحوا أشد الناس محاربة وإنكارا لها؛ فالحق أن الله لم يرد ذلك، وإنما جعلها درجة تحضيرية تمهيدية للقرآن المصون من التحريف والتبديل كما وعد تعالى (قر 15: 9) والباقي إلى يوم القيامة (انظر كتاب دين الله ص 82 و83) فما حفظه الناس من تلك الكتب إنما كان كافيا لهم إلى زمن القرآن.