تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12: 1-4) [12] وأي برهان يمكن لمثله ممن لم ير المسيح في حياته أن يقدمه

للناس البسطاء على صحة رسالته سوى مثل هذه الدعاوى؟

وربما كان هو الذي بث في التلاميذ فكرة ادعائهم رؤية المسيح بعد موته

لينالهم شيئ من الشرف الذي ناله بدعواه لها. ولا يبعد على مثل أولئك العامة من

الناس الفقراء الذين لا عمل لهم ولا علم أن يوافقوه على ذلك ويعترفوا له بها كما

اعترف هو لهم جميعا بها حتى ذكر في رسالته ظهور المسيح لخمسمائة شخص

ولجميع الرسل، فكأنه في سياسته اتبع المثل العامي القائل: حملني وأنا أحملك.

ولكنه هو فاقهم في ذلك كثيرا حتى جعل الظهور لكل فرد من التلاميذ فإن

عددهم لا يمكن أن يزيد عن 500 شخص، ليرضوا عنه جميعا. وأي خسارة عليه

في ذلك؟ بل أي فائدة له أعظم من مسالمتهم واستجلاب رضاهم كلهم عنه؟ ولو في

أوائل أمره [13] قبل أن يعلم ماذا يكون من شأنه بينهم، ومقامه عندهم، ولو علم

ذلك وعلم أنه سيكون إمامهم وقائدهم الأعظم في كل شيء لما اعترف لهم بشيء

مطلقا كما تدل عليه سيرته معهم فيما بعد.

هذا؛ ولما كانت رؤية المسيح عندهم أعظم دليل على الرضا والاصطفاء

والرسالة كما قلنا، تحاشوا ادعاءها للكفرة والمعاندين، إذ لا يمكن أن يتشرفوا بها

مثلهم.

ويثبت ذلك أيضا قول بطرس منكرا على بولس: وكيف يظهر لك (يعني

المسيح) مع أن آراءك هي مضادة لتعاليمه. كما في الخطب (Homilies)

المنسوبة إلى كليمندس الروماني وهي مكتوبة في أواخر القرن الثاني أو بعده بقليل.

(راجع كتاب دين الخوارق ص320) وهذه الخطب وإن كانت منسوبة كذبا

لكليمندس إلا أنها تدل على أن النصارى كانوا في أوائل المسيحية يعتقدون أن

المسيح لا يمكن أن يظهر للمخالفين له المعاندين. وهذا الاعتقاد هو أحد أسباب خلو

كتبهم من هذه الدعوى بل هو أعظم الأسباب. وهناك سبب آخر لذلك وهو تحاشي

النصارى في القرون الأولى إثارة اليهود والرومانيين عليهم لكي لا يزيدوا في

احتقارهم والسخرية بهم وتكذيبهم وإيذائهم واضطهادهم وتنفير الناس منهم ومن

دينهم، فكانوا في ذلك - حقيقة - حكماء، ولعلهم فعلوا ذلك أيضا بإرشاد بولس

وأضرابه من عقلائهم وساستهم.

ولكن من لم يفهم ذلك من النصارى بعدهم ادعى أن المسيح وعد اليهود

بالظهور لهم بعد دفنه في الأرض بثلاثة أيام وثلاث ليال، فزاد في هذه العبارة في

إنجيل متى (39: 12و40) فإن العدد (40) منها لا وجود لمثله في الأناجيل

الأخرى، وقد تكلمنا على ذلك في رسالة الصلب صفحة 106 و107 و117

و118. راجع أيضا (لو 11: 29 - 32 ومت 16: 4 ومر8: 12) . وجميع

هذه النصوص المشار إليها هنا صريحة في أن المسيح أجاب المقترحين للآيات مرة

بقوله: (لن يعطى هذه الجيل آية) . كما في مرقس، ومرة بقوله: لن يعطيهم آية

إلا آية يونان لأهل نينوى. كما في لوقا وغيره. ولا يخفى أن يونان لم يعط أهل

نينوى أي آية، فكأن مراد المسيح أنه يجب أن يؤمنوا به بمجرد دعوته لهم كما آمن

أهل نينوى بيونان لمجرد مناداته لهم راجع (لو 10: 32) ولمنكري المعجزات

أن يستدلوا بذلك على صحة دعواهم أنه لم يفعل شيئا منها. فالمسيح لم يظهر لأحد،

ولا وعد اليهود بذلك كما ادعى المحرف للإنجيل. ولولا أن عدم ظهور المسيح

لأي أحد من اليهود والرومانيين وغيرهم من الكافرين كان معروفا شائعا متواترا بين

النصارى الأولين لزاد المحرفون للإنجيل قولهم: إنه ظهر لفلان وعلان منهم أيضا،

ولكن مثل هذه الزيادة لا يمكن أن تمر على الناس بسهولة، ولا تدخل عليهم خفية

بدون أن يشعروا بها كما دخلت عليهم الزيادة التي في إنجيل متى (12: 40) لأن

إدراك هذه الزيادة لا يحتاج لشيء من الانتباه والتدبر، ولذلك ترى النصارى يقرأون

هذه العبارة في إنجيل متى صباح مساء ولا يشعرون بأنها كانت وعدا لليهود

بالظهور لهم، ولا بأنه وعد لم يتحقق، وإذا صح أن المسيح قالها لهم وجب عليه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٧٧