تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(لو 24: 1 و13 و29 و 33 و44 -49) ثم صعد إلى السماء ورجعوا هم إلى

أورشليم (عدد 51 و52) وبقطع النظر عن مناقضة لوقا نفسه في سفر الأعمال

حيث جعل الصعود بعد أربعين يوما من أورشليم (أع 1: 3و9) إلا أنه قال: إن

المسيح أوصاهم أيضا في آخر يوم أن لا يبرحوا أورشليم حتى تحل عليهم روح القدس (عدد 4 و8) فيستفاد من ذلك أن المسيح من أول يوم إلى آخر يوم أوصى

تلاميذه بعدم مبارحة أورشليم إلا بعد حلول روح القدس عليهم. وهذه الروح لم

تحل عليهم إلا يوم الخمسين أي بعد صعوده بنحو عشرة أيام (أع 2: 1-4)

وعليه فهم لم يبرحوا أورشليم إلا بعد الصعود، فكيف إذا قال متى: إن المسيح

أمرهم بمبارحتها إلى الجليل وأنهم هناك رأوه؟ وكيف يمكن رفع هذا التناقض

البين من بينهما؟ اللهم إلا بالتكلف البارد والتعسف الذي لا مزيد عليه.

وإن كان ظهر لهم في أورشليم فالتلاميذ الذين كانوا فيها وأمروا أن لا

يبرحوها من أول يوم إلى آخر يوم كانوا نحو 120 شخصا بنص كتاب الأعمال (1:

15) وإن قيل لعلهم كانوا 500 نفرا، ولما ظهر لهم المسيح سافر أكثرهم

وبقي الأقلون. قلت: وهل يعقل أن تلاميذه هؤلاء الذين رأوه بأعينهم بعد قيامته

من الموت يكونون أول العاصين له المخالفين لأوامره حتى إنهم تركوا أورشليم بعد

أن شدد عليهم ووصاهم مرتين على الأقل بعدم مبارحتها؟ وإن كانوا غير مطيعين

له ولا مبالين بأمره ونهيه بعد كل هذه المعجزات فمن يثق بهم أو يصدق ما يقررونه؟

هذا إذا كانوا شهدوا بأنهم رأوه فما بالك إذا كنا لم نسمع من أي واحد منهم أنه شهد

بأن 500 شخص رأوا المسيح حقيقة؟ بل لم نسمع من أحد من تلاميذ المسيح ولا من

غيرهم - خلاف بولس - أن المسيح ظهر لكل هذا العدد من الناس الذين لم يعرفهم

أحد قط.

فإن قيل: لعل المسيح ظهر لهم في الجليل بدون علم أحد من التلاميذ الأحد

عشر؟ قلت: ومن إذا الذي جمع كل هذا العدد من الناس في ذلك المكان وعينه لهم

وأخبرهم بأن المسيح سيظهر فيه وبوقت الظهور؟ مع ملاحظة أن مثل هؤلاء الناس

لا بد أن يكونوا من الذين يئسوا منه وتركوه بعد حادثة الصلب ورجعوا إلى بلادهم

شاكين فيه حائرين، فكيف إذا اجتمعوا في ذلك الوقت والمكان المعين، ولو لم يرو

عن أحد منهم خبر هذه الرؤية؟ ولم فعلها المسيح بدون علم أعظم تلاميذه؟ ولم لم

يخبر بها الرسل حين ظهوره لهم؟ ولم لم يخبرهم روح القدس بها بعد نزوله عليهم

ليدونوها في الأناجيل؟ وكيف يقول متى (28: 16) إن الذين ذهبوا إلى الجليل

ورأوه هناك كانوا هم الأحد عشر رسولا ولم يشر إلى غيرهم، بل نص على أن

بعض هؤلاء أيضا شك في أن الذي رأوه هل هو المسيح أم لا؟ فكل هذه الأسباب

تحملنا قطعا على رد زعم بولس هذا، وعدم الاعتداد به مطلقا.

ومن تناقض كتبهم أيضا في هذه المسألة - غير ما تقدم - قول يوحنا (20:

22 و23) : إن المسيح وهبهم روح القدس في مساء اليوم الذي قام فيه (عدد 19)

مع قول لوقا: إنها لم تنزل عليهم إلا يوم الخمسين (أع 1: 4 و5 و2: 1 - 4

ولو 24: 49) .

ومن التناقض العجيب أن المسيح يطلب ليلا من تلاميذه بعد قيامته أن يجسوه

كما في لوقا (24: 39) مع أن يوحنا يقول: إنه منع في الصباح مريم المجدلية

من لمسه بعلة أنه لم يصعد بعد إلى أبيه وإلهه (يو 20: 17) وفي إنجيل متى

(28: 9 و10) يقول: إنها هي ومريم الأخرى أمسكتا بقدميه وسجدتا له، فلم

يمنعهما المسيح من ذلك بخلاف ما يقول يوحنا، بل قال لهما: (لا تخافا) .

وجاء في لوقا (24: 33) : أن الأحد عشر تلميذا كانوا مجتمعين في مساء

يوم قيامة المسيح فظهر لهم ووقف في وسطهم (عدد 36) وفي يوحنا (20:

24) أن توما أحدهم لم يكن موجودا في هذا الاجتماع حينما جاء المسيح فلم يكونوا

إذا إلا عشرة لا أحد عشر كما قال لوقا؛ فانظر إلى مقدار تناقضهم في كل شيء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٧٤