الأهمية بمكان عظيم كما لا يخفى؟ وإذا كان هذا الجم الغفير كله رأى المسيح،
فكيف لم يرو هذا الخبر أحد منهم مطلقا في الأناجيل أو في الرسائل أو غيرها وبقي
سرا مكتوما بينهم حتى أفشته رسالة بولس هذه؟ وإن كان هذا الخبر وصل بولس
بالوحي فلم لم يوح به إلى غيره ليدونه؟ وما هذا الوحي الذي يكثرون من ادعائه
لكل نصراني في القرن الأول؟ وإذا كانت روح القدس توهب لكل شخص من
المؤمنين (أع 8: 14 - 20 و19: 1-7) بمجرد وضع اليد عليه فما حاجة
الناس إذا لهؤلاء الرسل الكثيرين وكتاباتهم ولرسائل بولس وغيره الطويلة العريضة
إذا كانوا كلهم أنبياء متمثلين من روح الله؟
وإذا صح قول النصارى في نبوة دانيال (9: 24) أنها في حق المسيح
فلماذا لم تختم الرؤيا والنبوة به كما قال دانيال فيها؟ وكيف يكون جميع تلاميذ
الميسح أنبياء بعده ملهمين من الله؟ وما معنى قول سفر الأعمال نقلا عن يوئيل 2:
17 (يقول الله: ويكون في الأيام الأخيرة أني أسكب من روحي على كل بشر
فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى (جمع رؤيا) ويحلم شيوخكم أحلاما وعلى
عبيدي أيضا وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون؟ وهو ينافي ختم
الرؤيا والنبوة بالمسيح.
وكيف رأى يوحنا رؤياه المشهورة؟ وكيف صار بولس نبيا موحى إليه من
الله بعد المسيح يحل ما يحل ويحرم ما يحرم؟ فهل نسي صاحب كتاب الأعمال
نبوة دانيال؟ أم هذه النبوة في اعتقاده ليست في حق المسيح؟ ففي حق من إذا؟ [8]
وكيف كثرت الأنبياء إلى هذه الدرجة بعد المسيح كما في كتاب الأعمال حتى كان
منهم أغابوس وغيره (انظر أع 11: 27 - 30 و13: 1- 3 و21: 10 -
12) إلخ إلخ.
فلولا عبارة يوئيل السابقة 2: 28 - 13) في انسكاب روح الله على كل
بشر، وكثرة تنبؤ الناس في آخر الزمان لما جعل كاتب سفر الأعمال جميع
النصارى الأولين أنبياء، ولما صاغ كل هذه القصص في نزول روح القدس عليهم
وتنبئهم، فهو في هذه المسألة أيضا لم يخرج عما ألفوه من عادة اختراع الحكايات
لتطبيق النبوات عليهم. فهل مثل هذه الكتب يصح أن تعتبر تاريخية يؤخذ بما فيها
ويعول عليها، وهي كما بينا مرارا لم تخل في كل ما كتب فيها من الأهواء
والأغراض؟ ولماذا لا تنزل عليهم روح القدس الآن؟ وأين ذهبت معجزاتهم
وآياتهم العديدة وقد امتلأت أوربا وغيرها بالملحدين والمشككين وجماعة
العقليين (Rationalists) وغيرهم؟ ولماذا لا تقدر النصارى على عمل الآيات
والعجائب الآن كما وعدهم المسيح على زعمهم بقوله مثلا (مر 17: 17) :
(وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة
18 يحملون حيات وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى،
فيبرأون) وما وجه تخصيصهم الآن هذه العبارات ونحوها كما في (يو 14:
12) بالحواريين وهي عامة في جميع المؤمنين كما هو ظاهر منها؟ أليس لأنها لم
تتحقق؟ وهناك مسألة أخرى تبطل أيضا دعوى بولس السابقة ظهور
المسيح لخمسمائة شخص، وإليك بيانها: جاء في كتاب صدق المسيحية
(Christianity Of Truth The) في صفحة 385 منه ما مؤداه أن
ظهور المسيح لهؤلاء الخمسمائة كان في الجليل لأنه لم يكن في أورشليم قدر هذا
العدد من التلاميذ كما يفهم من كتاب الأعمال (1: 15) اه. وهذا الرأي هو
المعول عليه عند جميع علماء المسيحية، وهو مبني على قول متى (28:
10) أن المسيح أرسل إلى تلاميذه أمرا بالذهاب إلى الجليل لكي يروه هناك
(راجع أيضا مرقس 16: 7) وأن بعضهم شكوا حينما رأوه (عدد 17) والظاهر
من ذلك أنهم رأوه على بعد في الأفق ولذلك خرجوا إلى الجبل ليرتقبوا ظهوره
هناك. فلم يقل متى ولا غيره: إنهم كانوا خمسمائة. ومع ذلك فرواية الظهور في الجليل هذه منقوضة بقول لوقا: إن المسيح في مساء اليوم الذي قام فيه قابل
تلاميذه، وقال لهم: أقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالي