حتى في أبسط المسائل؛ لأنهم أخذوا ما كتبوه عن الإشاعات المتضاربة والروايات
المتناقضة ولم يميزوا بين صحيحها من باطلها؛ فهل مثل هذه الكتب يصح أن يعول
عليها؟ وهي كالثوب الخلق كلما رقعته من مكان اتسع الخرق أو ظهر لك غيره
حتى أصبحت بالية لا تصلح لشيء؟
ومن كثرة مبالغة بولس وإغراقه قوله أيضا (1 كو 15: 5) : وأنه ظهر
لصفا (بطرس) ثم للاثني عشر وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين مع أن
يهوذا أحدهم كان قد مات في ذلك الوقت، ولم تكن الرسل إلا أحد عشر فقط؛ ولذلك
قال مرقس (16: 14) أخيرا ظهر للأحد عشر، ولكن رغبة بولس في تكثير
عدد الذين رأوا هذه القيامة المزعومة أنسته موت يهوذا فقال ما قال.
أما بطرس فلم يرو عنه في إنجيل من الأناجيل أنه قال: إنه رآه أولا وحده،
غير أن لوقا (24: 34) قال في إنجيله: إن اثنين من التلاميذ مجهولين يسمى
أحدهما: كليوباس، قالا: (إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان) بطرس،
وصريح القصة أن هذه إشاعة نقلاها ولا ندري عمن روياها وكيف سكتت
الأناجيل عن رواية هذه الرؤية الأولى لبطرس حتى نفس إنجيل لوقا الذي روى قصة
كليوباس هذه.
أما ظهور المسيح للأحد عشر، فلا برهان عليه إلا رواية هذه الأناجيل
الأربعة التي أظهرنا لك قيمتها وقيمة سندها على أنها لم تذكر ذلك رواية عن كل
فرد منهم، وقد تضارب الإنجيلان المنسوبان إلى التلاميذ متى ويوحنا في أمر
هذه الرؤية، ففي إنجيل متى أن ملكا قال للمرأتين 28: 7: اذهبا سريعا وقولا
لتلاميذه أنه قام من الأموات. ها هو يسبقكم إلى الجليل هناك ترونه - 16 فانطلق
التلاميذ إلى الجليل إلى الجبل؛ ولما رأوه سجدوا له، ولكن بعضهم شكوا.
وليس في إنجيل متى رؤية أخرى غير هذه وهي التي شك فيها بعضهم [9] .
أما إنجيل يوحنا فإنه يذكر أنهم رأوه في أورشليم قبل الذهاب إلى الجليل
مرتين وفي المرة الأولى منحهم الروح القدس (يو 20: 22) وفي الثانية أقنع
توما الذي لم يره في المرة الأولى وكان شاكا فيه وأراه يده وجنبه حتى صدق كباقي
التلاميذ (يو20: 20 و27) ولا ندري لماذا لم يذكر متى كل ذلك؟ وإذا كان
التلاميذ رأوه في أورشليم المرة بعد المرة، كما قال سفر الأعمال: (1: 3) حتى
اقتنعوا وزال عنهم كل شك وأعطوا الروح القدس - كما قال يوحنا - أي صاروا
أنبياء ملهمين، فكيف بعد ذلك شكوا فيه لما رأوه في الجليل على ما قال متى (28:
17) الذي يفهم منه أنها كانت أول رؤية لهم ولذلك شك بعضهم فيها، وإذا كان
المسيح هو الذي وهبهم روح القدس بنفسه قبل أن فارقهم، فما معنى قول إنجيل لوقا
(24: 49) وقول سفر الأعمال: إن المسيح أوصاهم أن لا يبرحوا أورشليم حتى
تحل عليهم وأنها حلت عليهم بعد صعوده يوم الخمسين، كما هو صريح الإصحاح
الأول والثاني من الأعمال كما سبق بيانه؟
وإذا صح تفسيرهم لعبارة البارقليط التي في إنجيل يوحنا وأن المراد بها روح
القدس هذه كما يزعمون، فما معنى قول المسيح (16: 7) لكني أقول لكم الحق:
إنه خير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى (البارقليط) ولكن
إن ذهبت أرسله إليكم. فإذا كانت روح القدس لا تنزل عليهم إلا إذا انطلق ولا
يرسلها إليهم إلا بعد ذهابه، فكيف إذا أرسلها إليهم قبل صعوده كما قال نفس
إنجيل يوحنا؟ (20: 22) ألا يدل ذلك على صحة قولنا في كتاب (دين الله ص