تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأن الناس يتبعون الهوى في الكلام على الأئمة المتبوعين، ولا يقبلون إلا ما وافق

أهواءهم، وليس لأبي حنيفة كتب في الحديث كالصحيحين حتى تكون فائدة

التفاضل الاعتماد على كتبه وما اعتمده في أسانيدها وترجيحها على الصحيحين أو

ترجيح الصحيحين عليها عند الاحتجاج.

والمحدثون الذين تكلموا في الإمام أبي حنيفة قد اعترف جمهورهم بأنه سمع

الحديث من عدة رجال وسمع منه تلاميذه، ولكنهم لم يعدوه من رجال الجرح

والتعديل الذين يعتمد على كلامهم في نقد الحديث كالشيخين، ومن قبلهما ومن

بعدهما، فلا تكاد ترى اسمه في كتب هذا العلم، وما يعزى إليه من الحديث

كاستدلاله به في كتب الفقه مثلا يحكم المحدثون فيه رواية الحفاظ ويرجعون إليه في

كتبهم كالصحاح والمسانيد والسنن والمعاجم ويعتمدون على أسانيدها وعلى كلام أئمة

الجرح والتعديل في رجالها كابن القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين والشيخين

وأصحاب السنن الأربع، ويعتمدون فيما اختلف فيه منها على تحقيق حفاظ القرون

الوسطى كالذهبي وابن حجر، ولا يعدون استدلال الإمام وأصحابه بحديث كافيا في

الحكم بصحته، وإن صرحوا بأنه صحيح، بل نراهم يحكمون بضعف كثير من

الأحاديث التي استدل بها الحنفية على قول الإمام وأصحابه، بل جزموا بأن كتبهم

فيها أحاديث موضوعة.

ولو كان لأبي حنيفة كتب في الجرح والتعديل أو رويت عنه أقوال في ذلك

لأحلها هؤلاء محلها من الاعتبار؛ لأنهم ترجموه بالورع والتقوى، وصرح بعض

المتأخرين بأنه لا يخل بمقامه تضعيف بعض الحفاظ له من جهة حفظه كالنسائي

وابن عدي، وجملة القول أن أبا حنيفة يعد عندهم من أئمة الفقه لا من رجال نقد

الحديث فلا وجه للمفاضلة بينه وبين الشيخين في الحديث، ونسأل الله أن ينفعنا

بعلوم الجميع ويحفظنا من العصبية الجاهلية لأحد منهم.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٦٢