ذلك إلا بعد عدة شهور، ولا أن ينتهي منه إلا بعد سنين، فأي فساد أشد من جعل
أمور الأمن والعدل والتعليم والعمران مقيدة بهذا المركز السحيق.
(2) أن أهل هذه المملكة مختلفو اللغات، وأكثرهم لا يعرف لغة أهل
المركز العام، ولا أهله يعرفون لغاتهم، وكذا سائر الشعب التركي الحريص على
الاستئثار بجميع أنواع السلطة والحكم وإدارة جميع المصالح في جميع هذه البلاد،
فإقامة العدل الذي هو الشرط الأول للعمران متعذر من حكام لا يعرفون لغة الذين
يحكمون بينهم، وكذلك سائر المصالح؛ لأنها تتوقف على فهم كل فريق من الآخر،
ودع عصبية الأجناس التي أثارها الاتحاديون فيهم.
(3) أن أهل هذه المملكة مختلفون في الأديان والمذاهب والعادات والأخلاق
اختلافا كبيرا بحيث إن أكثر مسلمي العرب كأهل الحجاز واليمن ونجد لا يقبلون
أن يحكم بينهم بالقوانين التي يرضى بها مسلمو الترك، بل يعدون الحكم بها كفرا
يجب قتال الحكومة التي تقرره عند القدرة على ذلك، فإذا لا يستقيم الأمر بجعل
الإدارة والقضاء والتعليم في كل بلاد موافقا لحالها، وهذا هو أساس اللامركزية.
(4) أن المتخرجين في مدارس عاصمة دولتنا الرسمية الذين هم أصحاب
التقدم في وظائفها الشرعية والإدارية والقضائية العدلية - لا يكاد يوجد فيهم أحد يعرف
تاريخ جميع شعوب الدولة وأحوالهم الروحية والاجتماعية، فتوسيد الأمر إليهم
مدعاة الخلل في الإدارة والظلم في القضاء، زد على هذا أن أكثرهم لا يعرف من
لغات هذه الشعوب إلا لغة شعب واحد وهي التركية كما قلنا في بيان السبب الثاني.
(5) أن أكثر المتخرجين في هذه المدارس الرسمية متفرنجون، حتى إنه يقل
فيمن ينتسبون إلى الإسلام منهم من يؤدي الفرائض ويجتنب كبائر المعاصي،
وأمثال هؤلاء لا يصلحون لتولي الأحكام بين من يمقتون التفرنج والفسق، وإن
كان من المعاصي الشخصية كشرب الخمر، فكيف إذا اقترن - كما هو الغالب
بالمعاصي التي يتعدى ضررها كالرشوة.
(6) أن مركز دولتنا شر من مركز كل حكومة مركزية في الدنيا، فإن
رجالها لا هم لهم إلا جباية المال بالحق وبالباطل والتمتع به وعدم وضعه في
مواضعه؛ فأموال الأوقاف والطرق ومخصصات المعارف للولايات لا تصرف في
مصارفها، بل يجرف أكثرها إلى المركز العام (الآستانة) وهناك يذوب ويضمحل،
والبلاد كلها خراب حتى الآستانة، فلو كانت المركزية تصلح لهذه المملكة لكان ما
علمنا من حال القائمين بها كافيا وحده لتركها وجعل اللامركزية بدلها.
وإنني أعلم علم اليقين أن الناس ما صبروا على أمثال هؤلاء الحكام في مثل
بلادنا إلا كارهين مكرهين، وها نحن أولاء نرى أهل بلادنا السورية وهم أحسن
البلاد العثمانية عمرانا بنشاطهم قد يئسوا، فهم يهاجرون منها أفواجا، فإذا استمرت
هذه الهجرة بضع سنين تصبح البلاد خرابا يبابا، وأنت تعلم أن البلاد التي
يهاجرون إليها ليست أشد قابلية للعمران من بلادهم، ولكن العمران محال في ظل
حكومة مركزية بينها وبين أهل البلاد من الفروق ما أشرنا إليه.
فهذه أهم الأسباب التي تعرف بها أن هذه المملكة لا يصلح أمرها إلا
باللامركزية الإدارية الواسعة أو الاستقلال الإداري التام، وإلا فهي سائرة إلى
الخراب وصائرة إلى الزوال، أعني استيلاء الأجانب عليها بالفتح السلمي أو
الحربي.
التاجر: يا لله العجب! إنني سمعت بعض المعترضين على طلاب اللامركزية،
يقولون: إن حسنها من جهة العمران لا ينكر إلا أنها تكون وسيلة إلى استيلاء
الأجانب على كل ولاية تدار باللامركزية؛ لأنها تنفصل من مركز السلطنة فتكون
ضعيفة لا تقدر على حفظ نفسها كما وقع في تونس ومصر.
الأستاذ: يمكنني أن أكتفي من معارضة هذا القول بالسؤال عن ولاية طرابلس
الغرب وولايات الدولة الأوربية التي انقدت منها أولا فتألفت منها عدة ممالك،
والولايات التي انفصلت منها في هذا العام أو هذه الأيام بقوة تلك الولايات التي