تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان يقول مرارا (يو 10: 11 و14) أنا هو الراعي الصالح، وأنه قال:

(يو10: 30) أنا والأب واحد، وغير ذلك كثير مما لم تروه الأناجيل الأخرى،

وإن كانت العبارة الأخيرة التي رواها يوحنا ليست نصا في ألوهيته؛ إذ حملها على

المجاز سهل كما هو ظاهر وقد قال المسيح أيضا نحوها في تلاميذه (يو 17: 14 -

26) إلا أن روح العظمة والكبرياء التي في رواية يوحنا هذه لا تتفق مع روح

التواضع التي ترى في رواية الآخرين عن المسيح، فإن كان ما رواه يوحنا

عنه (مثل 3: 13 و8 و12: 45: 10 و16: 28 و17: 5) صحيحا، فمن

أقبح النقص ومن أعظم أسباب تضليل الناس في أمر المسيح أن يترك ذلك الإنجيليون

الثلاثة، وخصوصا لوقا الذي تعمد أن يكون إنجيله كاملا وجامعا لجميع أخبار المسيح

وأقواله المهمة؛ إذ قد تتبع كما يقول عن نفسه (1-3) كل شيء من الأول بتدقيق.

فلا يعقل أن مثل هذا الكاتب المدقق يترك كل أقوال المسيح المهمة في مبحث

ألوهيته؛ ليكملها له يوحنا أو غيره كما يدعون، وإن خالفوا قول لوقا نفسه، وهو

عندهم موحى إليه، وكتب إنجيله بالإلهام الإلهي بعد نزول روح القدس عليهم

جميعا!! فلم إذا لم يوح إليه ما أوحى إلى يوحنا مع أن يوحنا لم يرد أن يكون إنجيله

كاملا كلوقا؟ (يو 21: 25) أم نسي الله أن يلهمه هذا المبحث العظيم ولم يعلم أن

ذلك سيكون سببا في إنكار كثير من الناس ألوهية عيسى في كل زمان ومكان وتكذيبهم

يوحنا فيما رواه وانفرد به دون جميع زملائه الآخرين حتى إن تسمية المسيح

(بالابن الوحيد) و (بالكلمة) بالمعنى الذي أراده يوحنا لم ترد في كتاب من كتب

العهد القديم أو الجديد إلا في المؤلفات المنسوبة إلى هذا الرجل؟! وما هي إلا فلسفة

يهود الإسكندرية وغيرهم سرت إلى المؤلف فطبقها على المسيح، والمسيح براء مما

ينسبه إليه، أو يرويه عنه، كما هو ظاهر من الأناجيل الأخرى.

فإن قيل: لعل لوقا أراد أن يكون إنجيله شخصيا؛ لأنه قدمه لثاوفيلس،

وربما أن هذا الرجل كان يعرف ألوهية المسيح وأقواله في هذه المسألة وما كان

يشك فيها؛ فلذا تحاشى لوقا ذكر كل ما يثبتها له من أقوال المسيح؟ قلت: إن الذي

يفهم من إنجيل لوقا نفسه (1: 4) أن ثاوفليس ما كان يجهل شيئا مما جاء

في هذا الإنجيل، وإنما كان الغرض من كتابته له تثبيته، فلماذا لم يثبته لوقا

في عقيدته في لاهوت المسيح، ولم يرو له ما قاله المسيح نفسه في ذلك كما

ثبته في غيرها من الحوادث؛ وإن كان يعرفها من قبل؟ وأي ضرر إذا ذكر

لوقا أقوال المسيح في ألوهيته؟ حتى إنه تجنب ذكرها [8] في إنجيله بالمرة؟

وسماه إنسانا ونبيا (لو 24: 19) .

ولو فرض أن لوقا لم يذكر إلا ما جهله ثاوفيلس، فهل يعقل أن هذا

الصديق العزيز للوقا (1: 3) والذي يعلم النصرانية من قبل (لو 1: 4)

كان يجهل أو يشك في وجود عيسى وفي جميع تفاصيل حياته وولادته من العذراء

وفي صلبه وقيامته وصعوده إلى السماء، حتى فصل له لوقا كل ذلك تفصيلا؟

وإذا كان يجهل هذه المسائل أو يشك فيها فكيف لم يشك في ألوهية المسيح؟

وكيف علم ثاوفيلس أقوال المسيح في ألوهيته ولم يعلم باقي تفاصيل قصته التي

فصلها له لوقا، مع أن هذه الأقوال ما كانت منفصلة عن حوادث حياته كما يفهم

من إنجيل يوحنا، ومن علم هذه علم، تلك فلم فصلها لوقا عنها وتركها؟

وإذا كان هذا الإنجيل شخصيا فلم لم يكتب تلميذ من تلاميذ المسيح إنجيلا عموميا

يكون وافيا بجميع المسائل؟ ولم إذا جعلتم إنجيل لوقا عموميا ونشرتموه بين

الناس في كل زمان ومكان وهو غير واف بالغرض؟ وأي إنجيل عندكم أوفى

منه؟ وكيف يجب على البشر الإيمان بأكبر معضلة في العالم مخالفة للعقل ولما

نقل عن جميع أنبياء بني إسرائيل، وهي مسألة ألوهية المسيح - كيف يجب

الإيمان بها لمجرد رواية شخص واحد خالف فيها جميع التلاميذ الآخرين، وأتى بما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٣٨