فإن أصر يخشى أن تحيط به خطيئته، ويرين عصيانه على قلبه فيكون من
الخاطئين؛ وأما مخالفة الناس أو المحاكم لآراء الفقهاء الاجتهادية، فالأمر فيه
أهون والعبرة باعتقاد المخالف، فإن كان يعتقد أنه من شرع الله كان عاصيا.
وأما مسألة الحكم بالشرع فأئمة اليمن الزيدية لا يحكمون إلا بفقه الزيدية،
وأهل نجد لا يحكمون إلا بفقه الحنابلة، ولكن ترك الحكم بالشرع في
الجنايات وبعض القضايا المدنية طرأ على البلاد الإسلامية التي قلدت المدنية
الأوروبية، وإنما يسأل السائل عنها، وإذا أردنا أن نشرح جواب هذا السؤال
شرحا تاما لا يتم لنا ذلك إلا بتأليف كتاب يكون من أبوابه: استبداد ملوك المسلمين
وأمرائهم بالأحكام وأسباب ذلك، وباب خضوع الأمة لأحكامهم، وأسبابه التي
سهلت عليها قبول أحكامهم المخالفة للشرع، وباب فقه المسلمين ومآخذه، وكون
الفقيه عند سلف المسلمين هو المجتهد، وأسباب ترك الاجتهاد، ومقتضاه: فقد
الفقهاء العارفين بأحكام الشرع معرفة صحيحة، أي بالدليل، وسبب امتلاء كتب
الفقه بالخلاف والاضطراب في تصحيح الأقوال المنقولة عن أئمة الفقهاء،
وسبب جعل أقوالهم أصولا للدين يستنبط منها المقلدون الذين ليسوا أهلا للاستنباط،
وسبب ما فيها من التشديد وسوء التأليف والتعقيد اللفظي والمعنوي، وغير
ذلك من الأمور التي جعلت فهمها واستخراج الحكم الصحيح منها عسرا.
وباب ما حدث للناس من شئون المعاش والاجتماع والفنون والأحوال
والعادات والعرف التي ترتبت عليها قضايا كثيرة لا نص عليها في أصل
الشريعة ولا تقبل الأمة ولا حكوماتها أن يكون فيها مجتهدون يضعون لها
أحكاما تتفق مع الأصول المقررة، وباب تغلب الإفرنج على المسلمين
واستيلائهم على أكثر بلادهم استيلاء رسميا تاما، ووضعهم الباقي تحت
نفوذهم واضطرارهم حكامه إلى الخضوع لهم فيما يريدونه منهم، ثم ضعف
العلم والدين في الحاكمين والمحكومين وافتتانهم بتقليد الإفرنج في قوانينهم.
واستخراج الجواب من مجموع تلك الأبواب.
فإذا تأمل السائل عناوين هذه الأبواب ولمح بعض ما يدخل فيها من
المسائل علم أن ترك الحكم بالشريعة له أسباب كثيرة، إثمها الأكبر على
الملوك والأمراء والعلماء، وسببها الأكبر: جهل الأمة وتركها لحقوقها بغش
رؤساء الدين والدنيا لها؛ ليتسنى لهم استخدامها واستغلالها، فمتى أرادت
الأمة أن تحكم بشريعتها التي تؤمن بها حكمت بها دون غيرها؛ لأن إرادة الأمة لا
ترد، ولكن متى تريد؟ إن من لا وجود له لا حياة له، ومن لا حياة له لا إرادة له،
فالمسلمون الآن ليسوا أمة فنطالبهم بالأعمال الإرادية التي هي من شأن الأمم
الحية، وإنما هم أفراد متفرقون ﴿تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾ (الحشر:
14) لهذا كنا نقول منذ أنشأنا المنار: إن الواجب قبل كل شيء هو تكوين
الأمة.
بل أقول: إن حكم محاكم البلاد الإسلامية بالعقاب على الزنا والسكر
والقمار وامتناعها من الحكم بالربا، لا يتوقف على جمع كلمة الأمة الإسلامية
ومطالبتها بذلك بلسان القال والحال، بل يمكن بما هو دون ذلك، أما في البلاد
العثمانية فلو طلب ذلك أكثر المبعوثين لكان قانونا نافذا، ولكن كان أكثر
المبعوثين ممن لا يرى ذلك، والذنب على الأمة التي تنتخب من لا تثق بدينه،
وأما في مصر فلو انتدب علماء مصر للمطالبة بذلك يتبعهم السواد الأعظم من
المسلمين، ولا يبقى للحكومة مندوحة من إجابتهم متى قاموا يطالبونها مع علمائهم في
كل مكان، ولكن النفوس ماتت فلا يتجرأ أحد على طلب شيء باسم الدين،
نعم إن الحكومة المصرية لا تقدر على منع الأجانب من بيع الخمر وشرائها،
ولا بغايا الأجانب من فتح مواخير الزنا ولا مصارفهم من الدين بالربا، ولا
المحكمة المختلطة من الحكم به، ومن ذا الذي يطالبها بذلك، وهي تقصر في تنفيذ
مواد القانون المصري التي وضعت للتشديد في أمور الفسق والقمار؛ لأن