خير وشر، فهل لهذا الاختلاج من حكم وأصل؟ وإذا قيل بأنه لا أصل له نقول:
قد وجدنا غالب ما ذكره الخوارزمي في باب الاختلاج عند التجارب صحيحا، فهل
ذلك من الأسباب العادية أم كيف؟ أفيدونا.
(ج) مسألة اختلاج الأعضاء وكونها سببا للخير والشر ليست دينية ولا
عقلية، وأما التجربة فلا يثبت بها مثل هذا إلا بالاستقراء المطرد، وأنتم تنفون
ذلك بقولكم أنكم وجدتم غالب ما ذكره الخوارزمي في باب اختلاج الأعضاء صحيحا،
وهذا إثبات لعدم صحة مقابل الغالب، ولا يكفي في الاستقراء تجربة واحد؛ إذ
يتفق أن يحدث له بعد الاختلاج ما لا يحدث لغيره، وما يدريكم لعل غيركم رأى
أكثر ما يقوله أهل هذا الزعم أو كله غير صحيح، ها أنا ذا رأيت في صغري
أرجوزة في دلالة اختلاج أعضاء البدن علق بذهني أبيات منها طالما خطرت
في بالي عند الاختلاج فظهر لي كذب الناظم، منها:
وجفنه الأعلى يرى ما يؤثر ... وفي شماله بكاء يكثر
وجفنه الأسفل صحة الجسد ... وفي شماله بكاء لا يحد
على أن رؤية ما يؤثر أو البكاء بعد الاختلاج قد يكون كثيرا أو يقع نادرا
ولا صلة بينه وبين الاختلاج بسببية ولا علية، وصفوة القول في الجواب أن
هذه المسألة وهمية، ومن ظهر له صدق شيء مما قيل كان واهما، وكثيرا ما
يؤثر الاعتقاد في الإنسان تأثيرا يكون سببا في حدوث ما يعتقده، فإذا اعتقد
عقب اختلاج جفنه الأيسر أنه لا بد أن يحدث له ما يبكيه لا يلبث أن يبكي مما
لا يبكي منه لولا وهمه هذا.
وكثيرا ما يرى الإنسان أمرا حدث عقب أمر فيتوهم أنه سبب له وما هو
في الحقيقة بسبب طبيعي، ومن هنا نشأ التشاؤم والتطير؛ ولذلك جعل علماء
المنطق القضية الشرطية قسمين: حقيقية واتفاقية، فالحقيقية ما كان فيها
المقدم سببا وعلة للتالي مثل: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود.
والاتفاقية مثل قولهم: إن كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق. ومن البديهي أن
نطق الإنسان ليس سببا لنهيق الحمار. فعليكم أن تتدبروا ذلك.
***
استحلال حكم المحاكم المخالف للشرع
والمانع من الحكم بالشرع
(س 11 و12) ومنه: ما حكم المستحل لحكم المحاكم المخالفة للشرع
المنزل، وذلك كمحاكم مصر الأهلية، وهل من مانع من رجوع جميع محاكم
الحكومات الإسلامية للحكم بالشريعة الحنيفية وإقامة الحدود خصوصا الحكومة
المصرية؟ وإذا لم تتمكن الحكومة المصرية مثلا من إقامة الحدود وغيرها من
الأحكام الشرعية المعطلة لأسباب ظاهرية أو وهمية، أفلا يمكنها وهي حكومة
إسلامية رسميا أن تمنع ولو أربعة أمور فقط، وأن تعكس قضاياها في قوانينها
من إيجاب إلى سلب؛ لأنها من أكبر أمهات فساد الأحوال وضياع الأموال في
هذا القطر الإسلامي ألا وهي: (الزنا والربا والخمر والقمار) .
(ج) الأحكام الشرعية منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة كالحدود
الثابتة بنص القرآن، وفي معناها كل ما هو مجمع عليه معلوم من الدين
بالضرورة فمن استحل حراما من هذا النوع كان كافرا، ولا يعذر بجهله إلا
من كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ بعيدا عن المسلمين منفردا عنهم. وما
كان غير قطعي لا يكفر مستحله إلا إذا ثبت عنده وكان غير متأول في
استحلاله، وإنما يكفر جاحد هذا النوع بنحو استحلال حرامه؛ لأنه يكون
مكذبا للشرع رادا له، فمن استحل حكم المحكمة المخالف للشرع المنزل أي
في القرآن يكفر إذا كانت الآية التي خالفها الحكم قطعية الدلالة، أي نصا لا
يحتمل التأويل، ومثله ما إذا كانت دلالتها ظنية، وكان المستحل يعتقد أن ذلك
هو المراد منها، وأما إذا اعتقد أن ما خالفه الحكم من ظاهرها ليس هو المراد
منها فلا يكفر، فالكفر يناط بتكذيب القرآن أو استحلال مخالفته، فمن خالف
غير مكذب ولا مستحل، ولو لما ترجح عنده أنه حكم الله من غير قطع - كان
عاصيا يجب عليه التوبة والعمل الصالح الذي يرجى أن يكون كفارة لذنبه،