عظيما.
وطلب مني أن أكتب استقالتي فتحققت وقتئذ أن جميع تلك الفعال الجنائية
إنما كانت وسيلة فقط ليحصل الاتحاديون على أزمة السلطة. وأنهم لا قصد
لهم في الثأر من أحد.
(7) استقالة فخامته:
وقد خطر ببالي أنني لو ترددت في أمر الاستقالة لتجرأ الثائرون على
الإيقاع بي حتى يتسنى لهم انحلال مقام الصدارة، فبناء على إصرار الضباط
استقلت وكتبت عريضة للحضرة السنية الملوكانية التمست فيها بلا تردد
إعفائي من منصب الصدارة، ولم يمض ساعة إلا وجاءني رئيس قرناء
الحضرة السلطانية مبلغا عن لسان مولانا السلطان الأعظم كدره من هذه
الواقعة وراجيا أن لا أترك الباب العالي خلوا من الحكومة ريثما تظهر نتيجة
الحال. فامتثالا لأمر جلالته وانتظارا للنتائج بقيت على كرسي الصدارة
منتظرا.
وفي خلال ذلك كان يدخل ويخرج أناس كثيرون ومنهم طلعت بك
وأنور بك ثم عمر ناجي بك مبعوث قرق كليسا سابقا المعدود من أركان
الجمعية فتقرب هذا مني قائلا: مولاي إن شاء الله أنتم تنفعون الدولة في هذا
المقام كثيرا، ونحن جميعا محتاجون إليكم، وسنكون مطيعين لأوامركم. وقد
أراد بهذا الكلام مداهنتي، فقلت له: لا حاجة لي بالصدارة فقد سبرت طالع
الدولة وحسبي ما مضى. وبهذا الكلمة صرفته عني.
(8) ألاعيب أنور بك:
ثم جاءني أنور بك متظاهرا بحيرة واندهاش وقال: إنني كنت في تمرين
عسكري وفي أثناء الطريق أخبرت بالواقعة، هذا ما قاله لي في حين أنه كان
قد تواتر ساعتئذ في الباب العالي أنه من جملة الذين قتلوا ناظم باشا.
وبعد ساعة من الزمان اجتمع علي شيخ الإسلام وآخرون من الوكلاء
واحدا بعد آخر.
تعيين الصدر الجديد:
وعقب ذلك نصب محمود شوكت باشا صدرا أعظم وجاء إلى الباب
العالي مع شيخ الإسلام الجديد، وبعد أن تلي الخط العثماني على رأس السلم
جاء محمود شوكت باشا إلى الغرفة العمومية مستقبلا تبريكات المهنئين؛ ثم
شرع في الترتيبات اللازمة.
وبعد نصف الليل اجتمع بي خلفي في غرفة أخرى، فتفاوضنا هنيهة في
الأحوال الحاضرة، وعلى هذه الصورة بقيت هزيعا من الليل؛ ولكثرة الزحام
لم يمكن إيقاد مدافئ الغرف مع شدة البرد وكثرة الأمطار. وظلت جثث القتلى
هناك ولذلك لم أتمكن من مغادرة الباب العالي إلا بعد الساعة الثالثة بعد نصف
الليل؛ فأثر البرد ليلتئذ في جسمي حتى أصابتني حمى ارتفعت درجتها إلى
39 درجة، وقد زارني سفراء الدول العظمى في منزلي فشكرت مسعاهم
واعتذرت لهم بالواسطة عن قبولهم. وبعد معالجة دامت عشرة أيام عادت إلي
صحتي فأشار علي الأطباء بتبديل الهواء، وفي الحقيقة كنت قد تعبت
لملازمتي الباب العالي ليل نهار مدة ثلاثة أشهر تقريبا، أي منذ شبت الحرب،
فكنت مستمرا طول هذه المدة على الاشتغال بمهام الأمور فأنهك العمل
جسمي ولذلك وافقت رأي الأطباء، وجئت إلى القطر المصري على إحدى
بواخر الشركة الخديوية.
دخول سعيد باشا في الوزارة الجديدة:
أما محمود شوكت باشا فإنه في اليوم الثاني من صدارته شكل وزارته،
ولما جاءه سعيد باشا مهرولا ومباركا له فوزه، انتخبه محمود شوكت باشا
رئيسا لشورى الدولة، وباشر العمل بوظائفه.
سقوط الوزارة الجديدة في الشرك:
ومن الاتفاقات الغريبة أن الوزارة الجديدة كانت تحسب أن الوزارة
السابقة قد أبلغت جوابها إلى الدول موافقة على طلبهن مذعنة لشروط الصلح
كما طلبتها الدول. ولكن لما رأت الوزارة الجديدة أوراق مجلس الوكلاء
علمت أن كل ذلك لم يكن وأن اللائحة الجوابية لم تعط، وأنه لم يكن ثمة
مندوحة لسلامة الدولة غير طريق الصلح فأسقط في يدها، وبعد مفاوضة دامت
يومين رأت أن تقسم مدينة أدرنة إلى شطرين بينهما نهر مريج اعتبرته حدا
فاصلا، فالشطر الذي فيه الطوابي والاستحكامات أرادت أن تعطيه للبلغار،
والشطر الثاني طلبت أن يبقى للدولة العلية، ثم طلبوا في مبحث التعويضات