تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قبول طريق الصلح حيث لم يكن ثمة تدبير آخر، وقبل يوم واحد من حدوث

تلك الجناية عقد في السراي السلطانية مجلس عمومي صدق على ضرورة

الصلح بعد أن اطلع على حقيقة موقفنا، ومع ذلك فإنه لما كان لأدرنة شأن

عند عموم الأهالي؛ ومن المنتظر أن تركها للأعداء صلحا يستلزم هياج

الأفكار والخواطر، ولا يخفى أن العامة التي لا تطلع على حقائق الأحوال عن

قرب ربما تتهيج على الحكومة، لذلك لم تقدم هيئة الوزارة على تحمل هذه

المسئولية وقررت أن توضح لأوربة هذه المحذورات في جوابها، وبما أن

السير إدوارد غراي ناظر خارجية إنكلترا كان قد اقترح على مندوبي الباب

العالي أن تكون أدرنة في منطقة على الحياد وأن تكون معفاة من الرسوم

الجمركية، فنحن قد وافقنا على جعل أدرنة على الحياد، وعلى إعفائها من

رسوم الجمرك، ولكننا اشترطنا أن تبقى تابعة للدولة العلية، فرفض مندوبو

البلغار قبول ذلك، وأحيلت المسألة على مؤتمر السفراء فلم تنتج مذكرات

المؤتمر شيئا.

(4) جواب الباب العالي يومئذ على مذكرة الدول:

ثم قال فخامته: ولما أردنا أن نجيب على مذكرة الدول قررنا أن نوافق على

جعل أدرنة بلدا إسلاميا كما كانت، وأن تكون هي وضواحيها مستقلة وعلى الحياد

بشرط أن لا تطالبنا الدول البلقانية بعد ذلك بشيء جديد، أما حاكم أدرنة فطلبنا أن

يكون مسلما مهما كانت جنسيته، وأن تنتخبه الدول الموقعة على معاهدة برلين

والدولة العلية إحدى هذه الدول بالطبع، وحينئذ فإن الباب العالي مستعد لتجريد أدرنة

من حاميتها وذخائرها الحربية، وإنما رجحنا هذا الحل لما كنا لاحظناه من المحاذير

من وراء استمرار الحرب، وقد تركنا للدول العظمى أمر تعيين حدود الأراضي

التي ستتبع المتحالفين.

أما مسألة الجزر فقد قلنا في الجواب عنها: إننا واثقون من إنصاف

الدول العظمى وأنها ترى لزوم بقاء هذه الجزر تابعة للدولة العلية؛ لقربها من

سواحل الأناضول العثمانية، وحيث إن بلاغ الدول كان يحتوي على وعود،

منها معاونة الدولة ماديا ومعنويا لرقي وعمران الممالك العثمانية وزيادة قوتها

فقد قرر مجلس الوكلاء أن يذكر في جوابه على مذكرة الدول كيف هو يتلقى

تلك الوعود الحسنة التي تعوض علينا خسائرنا. ثم استحسنا أيضا أن يدرج

في ذلك الجواب أننا نعتمد كل الاعتماد على الدول العظمى في أن ترفع - بعد

زوال الروم إيلي تقريبا من يدنا - كل القيود التي قيدتنا بها المعاهدات القديمة

التي كانت أمضيت في تركية أوربة، وأن يسمح للدولة بإطلاق الحرية في

معاملاتها الاقتصادية وفقا لما هو جار بين الدول العظمى نفسها.

(5) لم يبلغ الجواب رسميا:

على هذا النمط حررت صيغة جواب الباب العالي باللغة الفرنسوية على

أن يبلغ في مساء ذلك اليوم 23 يناير إلى سفراء الدول.

(6) هجوم جماعة الاتحاديين والترقي على الباب العالي:

وبينما كان مجلس الوكلاء يمعن النظر في ترجمة مسودة الجواب هجمت

شرذمة قليلة اختلالية من جمعية الاتحاد والترقي بصورة وحشية على الباب

العالي، وحاولت أن تدخل غرفة مجلس الوكلاء فبادرهم ناظم باشا ليمنعهم ويسكن

جأشهم، فقتلوه في الحال واضطر حينئذ بقية الوكلاء أن يدخلوا غرفا أخرى

ينتظرون فيها ماذا يكون.

أما أنا فقد لبثت في غرفة الصدارة ومعي حضرة فؤاد باشا كاتب المابين

الذي جاءني حاملا بعض إرادات ملوكانية وعلمت حينئذ أن الثائرين ملأوا

الباب العالي اعتداء، وأنهم قتلوا أيضا ستة من الياورية والحجاب الذين قاموا

بواجب المحافظة على الوكلاء والدفاع عنهم، وعلمت كذلك أن اثنين من

الثائرين قد قتلا في الحادثة.

وفي خلال هذه الفاجعة قفل فؤاد بك راجعا من حيث أتى ثم دخل على

شرذمة من الضباط لا أعرفهم ومعهم أشخاص آخرون بألبسة ملكية فتقرب

مني جسور منهم، وقال: إن الخواطر خارج الباب العالي متهيجة تهيجا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١١٤