تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شديدة الالتصاق، فبما توحيه هذه الغريزة يمشي الملايين من الأبناء والبنات،

على ما عليه مشت الملايين من الآباء والأمهات، ويظلون على ذلك عصورا

كثيرة من غير ما تغيير ولا تبديل إلا قليلا لا يكاد يعد مفرقا لشمل هذا الجمع

العظيم، وهكذا يكون شأن سائر الجموع والأمم كما هو مشاهد، وبما خص

به العقل الإنساني الذي جعله الله جوالا ولم يوزعه على الأفراد بالسوية، نرى

أنه مهما وقف الاقتداء بملايين من بني آدم عند الحد الذي وقف فيه آباؤهم

يقوم أحيانا فرد من بين تلك الملايين تتقد فيه جذوة من ذلك المشرق العقلي

وتدفعه إلى التماس ما هو أحسن مما وقفت عنده أمته، وحينئذ يجدهم

معارضين له، فإن نجحوا أخمدوا جذوته، وإن نجح دخل بأمته في خلق

جديد، أو خرج منها بأمة حديثة في الوجود، ولذا لا يمدح الاقتداء من حيث

هو مطلقا؛ لأنه قد يوقف الأمم وقفة واحدة، ولا يذم مطلقا؛ لأنه به تتكون

أمم وبه تنتقل في أطوارها، وأنت تراه تارة صديق النوابغ؛ إذ لولاه لما

وجدوا تابعا ومظاهرا، ولولاه لما ظهرت مقادير هممهم عند مقاومة الأجيال

لهم، وطورا تراه عدوهم؛ إذ لولاه لما وجدوا تلك العقبات الهائلة في سبيل

الإصلاح؛ ولأجل هذا ترى الذين ينظرون إلى الأمور من جهة واحدة منهم

من يحسب فيه كل الفوائد ومنهم من يخال كل المضار فيه.

أما الذين يمعنون النظر في الأشياء ويسلم نظرهم من شوائب الهوى

الخاص، فأولئك يعرفون انقسام أكثر الأشياء إلى أجزاء أو جهات بعضها نافع

وبعضها ضار، ويعرفون المقادير والحدود التي بينها فيعطون كل شيء حقه،

ويذكرون له حده، فإذا مر هؤلاء باقتداء ضار ذكروا بالعقل، وقالوا: إن

الإنسان لا يليق به الجمود، وإذا مروا باقتداء نافع ذكروا بالفضل الذي جرت

سنة الفاطر أن يمنحه بعض الأفراد ونفروا من الجحود، ألا ترى القرآن

المجيد كيف يقص من مناقب الأنبياء لأكرم رسله محمد صلى الله عليه وسلم

ثم يقول له: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام: 90) أولا تراه

كيف عاب على الذين صدفهم اقتداؤهم بآبائهم عن الإيمان بفضل الله تعالى

الذي خص به الأنبياء عليهم السلام؟ وكيف هز عقولهم هزة قوية بقوله:

﴿أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون﴾ (البقرة: 170) ؟

هذا وإذ كان المقتدى الأعظم في الملة الإسلامية هو ذلك الوحي الذي

نزل على محمد الأمين صلى الله عليه وسلم، كان من شأن الذين يتخذون

مقتدين آخرين سواه أن يكون ضرر اقتدائهم ذلك أكثر من نفعه؛ لأن

المتمذهب بمذهب رجل من الذين يقال لهم أئمة السنة، إن قال: إن مقتداي رجل

من علماء السلف الأبرار، يجد تجاهه مخالفا من الذين يقال لهم الشيعة يقول

له: إن مقتداي أيضا رجل من علماء السلف الأبرار، ولا يستطيع الذي يسمي

نفسه سنيا مثلا أن يقول: إن الإمام جعفر أو الإمام زيدا رضي الله تعالى

عنهما ليسا من علماء السلف الأبرار، وإنما قصاراه أن يقول: إن هؤلاء

الذين يقال لهم الشيعة ليسوا في الحقيقة على مذهب جعفر أو زيد، وهذا لا

يلتفت إليه الجعفري أو الزيدي، وليس هو من المناظرة القانونية في شيء.

ومن أعجب ما في مضار هذا الافتراق الذي جاء به هذا التقليد أنك

أصبحت ترى جميع أقطاب الأمة وكبار علمائها مرنوا بسببه على اليأس من

الصلح بين هاتين الفئتين الكبيرتين في الأمة حتى كأن هذا الأمر - أي الصلح

بينهما - ليس مما يعني الأمة وليت شعري كيف يتيسر الصلح ما دام باب

التفاهم مسدودا، وكيف يفتح باب التفاهم ما دام الجماهير جيلا خلف جيل لا

تجول أفكارهم في مسألة من المسائل ولا يقولون فيها بقول من الأقوال إلا

قول رجل من أولئك الرجال القليلين الذين اتخذوهم مقتدين، هذا على تسليم

بأن فلانا وفلانا الذين يعنونهم لم يحصلوا في فهومهم تلك إلا ظنا، وعلى

تسليمهم أن الحق ليس في ظنونهم تلك على وجه اليقين والجزم والتعيين، فإلى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٠٨