على مصالح الوطن، وبسبب ذلك تنزع عنهم ثوب الحياة الاتكالية الخلق
الممقوت، حياة الاعتماد على غير النفس، وتفسح أمام كل فرد مجال العمل
الواسع في جهاد الحياة، وتمهد للشعب بلوغ غايات المدنية والترقي والعمران
من أقرب سبيل في وقت قصير، والعكس بالعكس.
مثاله ما نراه لهذا العهد من الفرق بين السلطنة العثمانية التي تحكم
بالمركزية وبين سويسرا التي تحكم باللامركزية، ففي هذه يرى من آثار
العمران والمدنية والحياة العالية الصحيحة والوفاق الشامل لكل العناصر التي
تقطن هذه المملكة الصغيرة ما لا يرى مثله حتى في كثير من الممالك المتمدنة
الراقية بفضل توزيع السلطة على أقسامها الثلاثة العنصرية وإطلاق حرية
التعليم لكل عنصر من العناصر الثلاثة المؤلفة للأمة السويسرية بلسانه وبما يوافق
رغباته، وإطلاق حرية العمل لكل ولاية منها فيما ينمي عمرانها ويرقي سكانها
على الوجه الذي يناسب مركزهم الاقتصادي والاجتماعي بحيث صار يضرب المثل
بترقي هذه البلاد الجميلة وترقي أهلها البالغين منتهى ما يريده قوم من السعادة
والرفاه.
أما السلطنة العثمانية التي تحكم بالمركزية فعلى نقيض ذلك؛ إذ نرى
المعارف فيها منحطة والعمران قليلا في بعض جهاتها مفقودا في بعض آخر،
ووسائل الترقي الصحيح معدومة ألبتة؛ لأن حياة الاتكال على المركز في كل
شيء مستحوذة على الشعوب العثمانية كافة، والمركز مقيد لكل ولاية بقيود
تمنعها عن الحركة نحو الإصلاح المطلوب إلا ببطء وبما يوافق الحال
والحاجة في الغالب.
والمثال على ذلك قوانين التعليم مثلا فإنها على نقصها وعدم وفائها
بالحاجة تحتم أن يكون التعليم في عدة أقطار بغير لسان أهلها، وعلى برنامج
واحد غير مراعى فيه حاجة كل ولاية واستعداد أهلها، ثم إن المركز لا
يعطي المال اللازم للتعليم لكل ولاية إلا بقدر محدود هو دون الحاجة، فينشأ
عن هذا وذاك نقص في التعليم وضعف في العلم وتضييق على الراغبين فيه
فتعم الجهالة، وتحرم البلاد من المعارف العالية التي هي أهم أسباب الترقي
والحياة والسؤدد في كل أمة من الأمم الحية المتمدنة لهذا العهد.
وعلى هذا فقس سائر الأعمال النافعة التي يتوفر بها العمران في الولايات
العثمانية، فإنها لتوقف صدورها على المركز بطيئة ضعيفة بل تكاد بعض الولايات
تحرم منها ألبتة.
زد على ذلك أننا نرى هذه الحكومة المركزية قد أعجزها تنائي أطراف
المملكة واختلاف لغات وأجناس ومشارب أهلها على أن تنفذ قوانينها في كل
ولاياتها؛ فإن كثيرا من الأقطار العثمانية ليس فيها للدولة ديوان إداري ولا
محكمة ولا مدرسة ولا ثكنة ولا قلعة ولا حصن، ومنها ما لا يؤخذ منه
الجنود، فبعض هذه الأقطار عالة في حمايته من المغيرين عليه على الولايات
الأخرى، عملا بمبدأ الاتكالية الممقوت، واعتمادا على المركز.
ولذا نرى هذه الحكومة المركزية لا تقدر على الدفاع عن أكثر البلاد
العثمانية إذا هاجمها عدو أجنبي كما ظهر ذلك في مسألة طرابلس الغرب
ومثلها كثير، ناهيك بتوالي الفتن والثورات في أنحاء السلطنة وعجزها عن
إخمادها وبالأحرى عجزها عن تلافيها قبل ظهورها بما يمنع حدوثها أو
امتدادها حتى إن قطرا من الأقطار وهو اليمن لا يزال مع الدولة في حرب
مستمرة منذ دخل أول عثماني فيه إلى عهد قريب.
وقد ظهر للعيان أن المملكة كلها عرضة لخطر الزوال بهذه الحكومة
المركزية، مهددة بفقد الاستقلال الذي يفديه كل عثماني بأعز شيء لديه وهو النفس،
ويتمنى كل شعب تظله راية الهلال بقاءه ليبقى عزيزا في وطنه أمينا من تسلط
المغيرين عليه.
إذا تمهد هذا فقد علمنا أن المركزية أصبحت في مثل هذا العصر عصر
التنازع الشديد في ميدان الحياة لا تصلح لترقي الأمة العثمانية المرغوب، ولا
تضمن لها الحياة السياسية والاجتماعية ولا البقاء لا سيما إذا أضفنا إلى هذا