تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا في تحليله شيء. والقياس أنه حلال.

وروى أحمد بن أسامة التجيبي من طريق معن بن عيسى قال: سألت مالكا عنه، فقال: ما أعلم فيه تحريما.

وقال ابن رشد في كتاب البيان والتحصيل في شرح العتبية روى العتبي عن ابن القاسم عن مالك أنه قال له - وقد سأله عن ذلك مخليا به - فقال: حلال ليس به بأس.

وأخرج الحاكم عن محمد بن عبد الحكم قال: قال الشافعي كلاما كلم به محمد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال: سألني محمد بن الحسن فقلت له: إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات - وإن لم تصح - فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك. قال: على المناصفة. قلت: فبأي شيء حرمته؟ قال: بقول الله عز وجل:

فأتوهن من حيث أمركم الله

[النساء: 222] وقال: ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ ، والحرث لا يكون إلا في الفرج. قلت: أفيكون ذلك محرما لما سواه؟ قال: نعم. قلت: فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو أخذت ذكره بيدها، أو في ذلك حرث...؟ قال: لا! قلت: أفيحرم ذلك؟ قال: لا! قلت: فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال: فإن الله قال:

والذين هم لفروجهم حافظون

[المؤمنون: 5] الآية. قال: فقلت له: إن هذا مما يحتجون به للجواز أن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه، فقلت: أنت تتحفظ من زوجته وما ملكت يمينه. قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول بذلك في القديم. فأما في الجديد، فالمشهور أنه حرمه. فقد روى الأصم عن الربيع: أن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه.. وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع قال: قال الشافعي: قال الله: ﴿ نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ احتملت الآية معنيين: أحدهما: أن تؤتي المرأة من حيث شاء زوجها، لأن ﴿ أنى شئتم ﴾ يأتي بمعنى أين شئتم. ثانيهما: أن الحرث إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه.

فاختلف أصحابنا في ذلك. فأحسب كلا من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية. قال: فطلبنا الدلالة من السنة، فوجدنا حديثين مختلفين: أحدهما ثابت؛ وهو حديث خزيمة في التحريم. قال: فأخذنا به.

وعليه، فيكون الشافعي رجع عن القديم. وحديث خزيمة رواه الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن حبان وأبو نعيم بالسند إلى خزيمة بن ثابت:

" أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال: " حلال ". فلما ولى الرجل دعاه - أو أمر به فدعي - فقال: " كيف قلت؟ في أي: الخرزتين؟ أمن دبرها في قبلها؟ فنعم! أم من دبرها في دبرها فلا؟ إن الله لا يستحيى من الحق. لا تأتوا النساء في أدبارهن ".

قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: وفي إسناده عمرو بن أحيحة. وهو مجهول الحال. واختلف في إسناده اختلافا كثيرا. ثم قال الحافظ: وقد قال الشافعي: غلط ابن عيينة في إسناد حديث خزيمة يعني حيث رواه. وتقدم قول البزار: وكل ما روى فيه عن خزيمة بن ثابت، من طريق فيه، فغير صحيح.

وقال الرازي في تفسيره: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية: أن الرجل مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها. فقوله: ﴿ أنى شئتم ﴾ محمول على ذلك. ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن. وهذا قول مالك. واختيار السيد المرتضى من الشيعة. والمرتضى رواه عن جعفر ابن محمد الصادق رضي الله عنه.

وبالجملة: فهذا المقام من معارك الرجال، ومجاول الأبطال. وقد استفيد مما أسلفناه: أن من جوز ذلك وقف مع لفظ الآية. فإنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة. قال بعض المفسرين: إن العرب تسمي النساء حرثا قال الشاعر:

إذا أكل الجراد حروث قوم

محاسن التأويل · الصفحة ٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٥١