2.46
﴿ الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم ﴾ أي: محشورون إليه يوم القيامة للجزاء. والظن هنا بمعنى اليقين ومثله
إني ظننت أني ملاق حسابيه
[الحاقة: 20].
قال ابن جرير: العرب قد تسمي اليقين ظنا نظير تسميتهم الظلمة سدفة والضياء سدفة والمغيث صارخا والمستغيث صارخا وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده. والشواهد على ذلك من أشعار العرب أكثر من أن تحصر ﴿ وأنهم إليه رجعون ﴾ أي: بعد الموت فيجازيهم.
2.47
﴿ يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ﴾ كرر التذكير للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد الشديد به ﴿ وأني فضلتكم ﴾ عطف على نعمتي، عطف الخاص على العام لكماله. أي فضلت آباءكم ﴿ على العلمين ﴾ أي: عالمي زمانهم بإنزال الكتاب عليهم وإرسال الرسل فيهم وجعلهم ملوكا، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل أن يغيروا، وتفضيل الآباء شرف الأبناء.
2.48
﴿ واتقوا يوما ﴾ يريد يوم القيامة أي حسابه أو عذابه ﴿ لا تجزي ﴾ فيه ﴿ نفس عن نفس شيئا ﴾ أي: لا تقضي عنها شيئا من الحقوق. فانتصاب ﴿ شيئا ﴾ على المفعولية. أو شيئا من الجزاء فيكون نصبه على المصدرية. وإيراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم والإقناط الكلي ﴿ ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ ﴾ لا يقبل ﴿ منها عدل ﴾ أي: فدية ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ يمنعون من عذاب الله. وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة. وذكر لمعنى العباد أو الأناسي.
تنبيه
تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أوترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع، فعلم أنها لا تقبل للعصاة، والجواب: أنها خاصة بالكفار، ويؤيده أن الخطاب معهم كما قال:
فما تنفعهم شفاعة الشافعين
[المدثر: 48]، وكما قال عن أهل النار:
فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم
[الشعراء: 100-101] فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد.
وفي الانتصاف: من جحد الشفاعة فهو جدير ألا ينالها. وأما من آمن بها وصدقها، وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها، لأن قوله: ﴿ يوم ﴾ أخرجه منكرا، ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسن ألف سنة. فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة. وبعضها هو الوقت الموعود، وفيها المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها. منها قوله تعالى:
فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون
[المؤمنون: 101] مع قوله:
وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون
[الصافات: 27، الطور: 25]. فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين: أحدهما محل للتنازل والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة، وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة، رزقنا الله الشفاعة، وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة.