2.44
﴿ أتأمرون الناس بالبر ﴾ أي: بما فيه لله رضا من القول أو الفعل. وجماع البر كل ما فيه طاعة لله تعالى. والهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم ﴿ وتنسون أنفسكم ﴾ أي: تتركونها من البر كالمنسيات. والمعنى تخالفون ما تأمرون به من ذلك إلى غيره. وقوله: ﴿ وأنتم تتلون الكتب ﴾ تبكيت مثل قوله: ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ يعني تتلون التوراة وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل. ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ عظيم بمعنى أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه.
روى الحافظ ابن كثير الدمشقي في تفسيره عن إبراهيم النخعي قال: إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ [البقرة: 44]، وقوله:
يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 2-3]، وقوله إخبارا عن شعيب:
ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب
[هود: 88].
2.45
﴿ واستعينوا بالصبر ﴾ أي: على الوفاء بالعهد ﴿ والصلوة ﴾ أي: التي سرها خشوع القلب للرب، فإنها من أكبر العون على الثبات في الأمر. قال ابن جرير: أي استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم من طاعتي واتباع أمري وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري واتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر عليه والصلاة. فالآية متصلة بما قبلها، كأنهم لما أمروا بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك. ﴿ وإنها ﴾ الضمير للصلاة. وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها واشتمالها على ضروب من الصبر؛ وجوز عود الضمير على الاستعانة بهما ﴿ لكبيرة ﴾ لشاقة ثقيلة، كقوله تعالى:
كبر على المشركين ما تدعوهم إليه
[الشورى: 13]. ﴿ إلا على الخشعين ﴾.