2.147
﴿ الحق من ربك ﴾ أي: الحق من الله، لا من غيره. يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله، كالذي أنت عليه. وما لم يثبت أنه من الله، كالذي عليه أهل الكتاب، فهو الباطل. أي: هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك. وقرأ علي رضي الله عنه ﴿ الحق ﴾ بالنصب على الإبدال من الأول، كما في الكشاف. أو المفعولية ل ﴿ يعلمون ﴾ ، كما قاله أبو البقاء. ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم. أو في الحق الذي جاءك من ربك، وهو ما أنت عليه، ومعلوم أن الشك غير متوقع منه، ففيه تعريض للأمة. وقال الراغب: ليس هذا بنهي عن الشك لأنه لا يكون بقصد من الشاك، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها. وعلى ذلك قوله:
إني أعظك أن تكون من الجاهلين
[هود: 46].
2.148
﴿ ولكل وجهة ﴾ أي: لكل أمة أو لكل نبي قبلة أو شرعة ومنهاج ﴿ هو موليها ﴾ وجهه. أي: مائل إليها بوجهه، تابع لها، لأنها حببت وزينت له. وقال أبو معاذ: موليها بمعنى متوليها، أي تولاها ورضيها واتبعها ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ أي: ابتدروها بالمسابقة إليها، وهذا أبلغ من الأمر بالمسارعة، لما فيه من الحث على إحراز قصب السبق. والمراد بالخيرات جميع أنواعها مما ينال به سعادة الدارين.
﴿ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ﴾ قال الراغب: أي: أي شغل تحريتم، وحيثما تصرفتم، وأي معبود اتخذتم، فإنكم مجموعون ومحاسبون عليها ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تعليل لما قبله، أي هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.
تنبيه
تشير الآية إلى أن الناس على مذاهب عديدة وأديان متنوعة، وأن على العاقل أن يستبق إلى ما كان خيرها وأرقاها. وقد اتفق العقلاء قاطبة والفلاسفة أن دين الإسلام أرقى الأديان كلها لما حوى من حاجيات الكمال البشري، ووفى بشؤون الاجتماع، وأسباب العمران وذرائع الرقي وطرق السعادتين. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى:
لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه
[الحج: 67]، وقوله:
لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
[المائدة: 48].
ثم إنه تعالى أكد حكم التحويل وبين عدم تفاوت أمر الاستقبال في حالتي السفر والحضر بقوله:
﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه... ﴾.