تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16 - سورة النحل

16.1

﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ تقرر في غير ما آية، أن المشركين كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة أو إهلاكهم. كما فعل يوم بدر، استهزاء وتكذيبا بالوعد. فقيل لهم: ﴿ أتى أمر الله ﴾ أي: ما توعدونه مما ذكر. والتعبير عنه: ب ﴿ أمر الله ﴾ للتفخيم والتهويل. وللإيذان بأن تحققه في نفسه وإتيانه، منوط بحكمه النافذ وقضائه الغالب. وإتيانه عبارة عن دنوه واقترابه، على طريقة نظم المتوقع في سلك الواقع. أو عن إتيان مباديه القريبة، على نهج إسناد حال الأسباب إلى المسببات والآية كقوله تعالى:

اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون

[الأنبياء: 1] وقوله:

اقتربت الساعة وانشق القمر

[القمر: 1] وقوله:

ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون

[العنكبوت: 53]. ثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، الذي أفضى بهم إلى الاستهزاء والعناد، واعتقاد أنها شفعاؤهم إذا جاء الميعاد.

16.2

﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ﴾ رد لاستبعادهم النبوة، بأن ذلك سنة له تعالى؛ ولذا ذكر صيغة الاستقبال كقوله تعالى:

يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده

[غافر: 15] وقوله:

الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس

[الحج: 75] والروح هو الوحي، الذي من جملته القرآن. لقوله تعالى:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا

[الشورى: 52] والتعبير عنه بالروح على نهج الاستعارة. فإنه يحيي القلوب الميتة بالجهل و ﴿ من أمره ﴾ بيان للروح، أو حال منه، أو صفة، أو متعلق ب ﴿ ينزل ﴾ و ﴿ من ﴾ للسببية و ﴿ أن أنذروا ﴾ بدل من الروح. أي: أخبروهم بالتوحيد والتقوى. فقوله: ﴿ فاتقون ﴾ من جملة المنذر به. أو هو خطاب للمستعجلين، على طريقة الالتفات. والفاء فصيحة أي: إذا كانت سنته تعالى ذلك، فاتقون، بما ينافيه من الإشراك وفروعه، من الاستعجال.

قال الزمخشري: ثم دل على وحدانيته، وأنه لا إله إلا هو، بما ذكر، مما لا يقدر عليه غيره، من خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان وما يصلحه، وما لا بد له منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وجر أثقاله وسائر حاجاته. وخلق ما لا يعلمون من أصناف خلائقه. ومثله متعال عن أن يشرك به غيره، بقوله سبحانه:

﴿ خلق السموت... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٧٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٧٣٧