تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذا في كتاب (الدرر البهية) لأبي الفضائل الإيراني - ولا يخفى أن ما ذكره هو وجه متين، ولكن لا يسوغ نفي ما عداه لأجله، بل يجدر أن يضم إليها، ويكون في مقدمتها، والله أعلم.

ثم إن من عادته تعالى، في كتابه، أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار، وهذا معنى تسمية القرآن مثاني - على الأصح - وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر - أو عكسه - أو حال السعداء ثم الأشقياء - أو عكسه - وحاصله ذكر الشيء ومقابله. والحكمة في ذلك: هي إرادة التنشيط لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم، وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي - فقال عز وجل:

﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصلحت أن لهم جنت تجري... ﴾.

2.25

﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصلحت ﴾ البشارة: الإخبار بما يظهر سرور المخبر به. ومنه البشرة: لظاهر الجلد. وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما

فبشرهم بعذاب أليم

[آل عمران: 21] فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء - الزائد في غيظ المستهزأ به، وتألمه، واغتمامه - ففيه استعارة أحد الضدين للآخر تهكما وسخرية.

و ﴿ الصلحت ﴾ ما استقام من الأعمال أي صلح لترتب الثواب عليه. وقد أجمع السلف على أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص، ثم إنه إذا أطلق دخلت في الأعمال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" الإيمان بضع وستون شعبة - أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".

وإذا عطف عليه - كما في هذه الآية - فهنا، قد يقال: الأعمال دخلت فيه، وعطفت عطف الخاص على العام. وقد يقال: لم تدخل فيه، ولكن مع العطف - كما في اسم الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا عطف أحدهما على الآخر فهما صنفان - وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البر، والتقوى، والمعروف، وفي الإثم، والعدوان، والمنكر، تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبر القرآن.

وقد بين حديث جبريل أن الإيمان أصله في القلب، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله - كما في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

" الإسلام علانية والإيمان في القلب ".

وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:

" ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب ".

فإذا كان الإيمان في القلب، فقد صلح القلب. فيجب أن يصلح سائر الجسد، فلذلك هو ثمرة ما في القلب. فلهذا قال بعضهم: الأعمال ثمرة الإيمان. وصحته، لما كانت لازمة لصلاح القلب، دخلت في الاسم. كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع، هذا ما أفاده الإمام ابن تيمية رحمه الله.

وقوله تعالى: ﴿ أن لهم جنت ﴾ جمع جنة: وهي البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه. وإنما سميت: " دار الثواب " بها مع أن فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور، لما أنها مناط نعيمها، ومعظم ملاذها. وجمعها مع التنكير؛ لاشتمالها على جنان كثيرة في كل منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها.

وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهر ﴾ صفة جنات، ثم إن أريد بها الأشجار، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها، فلا بد من تقدير مضاف - أي من تحت أشجارها - وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار، فاعتبار التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق اسم الجنة على الكل، وإنما جيء ذكر الجنات - مشفوعا بذكر الأنهار الجارية - لما أن أنزه البساتين، وأكرمها منظرا، ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطردة، وفي ذلك النعمة العظمى واللذة الكبرى.

محاسن التأويل · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٥