تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.286

﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ أي: لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه.

قال الرازي: يحتمل أن يكون هذا ابتداء خبر من الله، ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين بأنهم قالوا: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ على نسق الكلام في قوله:

وقالوا سمعنا وأطعنا

[البقرة: 285]. وقالوا: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾. ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا ﴾. فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح. وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها.

ثم قال الرازي: في كيفية النظم: إن قلنا: إن هذا من كلام المؤمنين، فوجه النظم أنهم لما قالوا:

سمعنا وأطعنا

[البقرة: 285] فكأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. فإذا كان هو تعالى، بحكم الرحمة الإلهية، لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا: إن هذا من كلام الله تعالى، فوجه النظم أنهم لما قالوا:

سمعنا وأطعنا

[البقرة: 285] ثم قالوا بعده:

غفرانك ربنا

[البقرة: 285]، دل ذلك على أن قولهم: ﴿ غفرانك ﴾ طلب للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد فلما كان قولهم: ﴿ غفرانك ﴾ ، طلبا المغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف الله تعالى ذلك عنهم. وقال: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾. والمعنى: أنكم إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه. فإن الله تعالى: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾. وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم:

غفرانك ربنا

[البقرة: 285].

قال زين العابدين بير محمد درة في المدحة الكبرى: وعلى احتمال أن يكون قوله: ﴿ لا يكلف الله... ﴾ الخ. حكاية، فهو من قبيل العطف بلا عاطف. أو الكلام على تقدير قالوا. قال بعضهم: ولك أن تجعل ﴿ لا يكلف الله... ﴾ الخ في حيز القول. وأن يكون حكاية للأقوال المتفرقة غير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين. يكون مدحا لهم بأنهم شاكرون لله تعالى في تكليفه. حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم. وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير، بل هو لهم. ولا يتضرر بعملهم الشر، بل هو عليهم.

وقال البقاعي: وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه من ذلك، خوفا من أن يكلفوا بما لله تعالى أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس، لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه.

ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم. ومن صفات الحلم والرحمة ما يرفه عنهم. ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله تعالى جزاء لهم على قولهم:

سمعنا وأطعنا

[البقرة: 285]، الآية. فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس. فانتفى ما شق عليهم من قوله:

وإن تبدوا ما في أنفسكم...

[البقرة: 284]، الآية. بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم:

سمعنا وعصينا

[النساء: 46]، من الآصار في الدنيا والآخرة. فيكون حينئذ استئنافا جوابا لمن كأنه قال: هل أجاب دعائهم. ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستنتاج بقوله: ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾.

قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: ﴿ لها ما كسبت ﴾ الخ. للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها. ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته منفعة زائدة، وأنها تعود إليها لا إلى غيرها. ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق بها لا بغيرها. فإن اختصاص المنفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله. واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته. أي لها ثواب ما كسبت من الخير الذي كلفت فعله، لا لغيرها، وعليها لا على غيرها عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركه. وإيراد الاكتساب في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفس بتحصيل الشر وسعيها في طلبه.

محاسن التأويل · الصفحة ٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٢٧