تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.37

﴿ فتلقى ءادم من ربه كلمت ﴾ استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها. قال ابن جرير: وهي الكلمات التي أخبر عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله:

ربنا ظلمنآ أنفسنا

[الأعراف: 23] الآية، فدعا بها لكي تكون عنوانا له ولأولاده على التوبة ﴿ فتاب عليه ﴾ فرجع عليه بالرحمة والقبول، وتجاوز عنه، وقوله تعالى: ﴿ إنه هو التواب الرحيم ﴾ في الجمع بين الإسمين، وعد للتائب بالإحسان مع العفو.

2.38

﴿ قلنا ﴾ لآدم وحواء ﴿ اهبطوا منها ﴾ من الجنة ﴿ جميعا ﴾ ثم ذكر ذرية آدم فقال: ﴿ فإما ﴾ بإدغام نون " إن " الشرطية في " ما " الزائدة ﴿ يأتينكم مني هدى ﴾ كتاب أنزله عليكم، ورسول أبعثه إليكم ﴿ فمن تبع هداي ﴾ أقبل على الهدى وقبل ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ في الآخرة بأن يدخلوا الجنة.

2.39

﴿ والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ ﴾ بالكتاب والرسول ﴿ أولئك أصحب النار هم فيها خلدون ﴾ لا يموتون ولا يخرجون.

تنبيه

إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكد والإيذان بتحتم مقتضاه، وتحققه لا محالة، أو لاختلاف المقصود، فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون. والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اتبع الهدى نجا، ومن ضله هلك.

فوائد

الأولى: ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام، كانت في الأرض. قال بعضهم: هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء. وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى:

اهبطوا مصرا

[البقرة: 61]، واحتجوا عليه بوجوه:

أحدها: أن هذه الجنة، لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله:

هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى

[طه: 120] ولما صح قوله:

ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين

[الأعراف: 20].

وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى:

وما هم منها بمخرجين

[الحجر: 48].

وثالثها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء، لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء، من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة غير جنة الخلد.

ورابعها: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة ".

قال ابن مفلح: أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة الخلد، دار الثواب، ثم قال: قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية: وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال إنها جنة في الأرض بالهند أو جدة، أو غير ذلك، فهو من الملحدة المبتدعين، والكتاب والسنة يردان هذا القول، وقد استوفى الكلام فيها في " مفتاح دار السعادة " وكتاب " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ".

الفائدة الثانية: اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم، واختلف في الكيفية، فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله:

هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى

[طه: 120]، وقوله:

ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين

[الأعراف: 20] ومقاسمته لهما

إني لكما لمن الناصحين

[الأعراف: 21]. والمقاسمة ظاهرها المشافهة، ومنهم من قال: كان ذلك بالوسوسة، كما قال:

فوسوس لهما الشيطان

[الأعراف: 20]، فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال صلى الله عليه وسلم:

" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ".

وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها، والوسوسة: لغة، حديث النفس والأفكار، وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، والكلام الخفي، وظاهر الآيات يؤيد القول الأول.

محاسن التأويل · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٤٩