ثم إذا شآء أنشره
[عبس: 22]. قاله أبو البقاء. ﴿ ثم نكسوها لحما ﴾ أي نسترها به ﴿ فلما تبين له ﴾ أي اتضح له إعادته مع طعامه وشرابه وحماره، بعد التلف الكلي، وظهر له كيفية الإحياء ﴿ قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ فخرج من الظلمات إلى النور.
2.260
﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ قال المهايمي: واذكر لتمثيل قصة المار على القرية، في الإخراج من الظلمات إلى النور، بالإحياء، قصة إبراهيم.
﴿ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ إنما سأل ذلك ليصير علمه عيانا ﴿ قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ أي: بلى آمنت ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فوق سكونه بالوحي. فإن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين. وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن شاكا في إحياء الموتى قط. وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الخبر كالمعاينة "
وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله. واستدلوا بما صح عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من قوله:
" نحن أحق بالشك من إبراهيم "
وبما روي عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن عندي آية أرجى منها. إذ رضي الله من إبراهيم قوله: ﴿ بلى ﴾. قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان. أخرجه عنه الحاكم في المستدرك وصححه. ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له.
قال ابن عطية: وهو عندي مردود. يعني قول هذه الطائفة. ثم قال: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" نحن أحق بالشك من إبراهيم "
، فمعناه: أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به. ونحن لا نشك، فإبراهيم أحرى ألا يشك. فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. وأطال ابن عطية البحث في هذا. وأطاب.
قال القرطبي: ولا يجوز على الأنبياء عليهم السلام مثل هذا الشك. وقد أخبر الله سبحانه أن أصفياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال:
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان
[الإسراء: 65]. وقال اللعين:
إلا عبادك منهم المخلصين
[ص: 83]. وإذا لم تكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم! وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفرقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزقها. فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين.
وقال الناصر في الانتصاف: الأولى في هذه الآية أن يذكر فيها المختار في تفسيرها من المباحث الممتحنة بالفكر المحرر، والنكت المفصحة بالرأي المخمر، فنقول: أما سؤال الخليل عليه السلام بقوله له: ﴿ كيف تحيي الموتى ﴾ ، فليس عن شك، والعياذ بالله، في قدرة الله على الإحياء. ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء، ولا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها. فإنما هي طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه، ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة ﴿ كيف ﴾ وموضوعها السؤال عن الحال، ونظير هذا السؤال أن يقول القائل: كيف يحكم زيد في الناس؟ فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه، لا ثبوته، ولو كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخاطر فيطرق إلى إبراهيم شكا من هذه الآية، وقد قطع النبي عليه السلام دابر هذا الوهم بقوله:
" نحن أحق بالشك من إبراهيم "
أي: ونحن لم نشك فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى.
فإن قلت: إذا كان السؤال مصروفا إلى الكيفية التي لا يضر عدم تصورها ومشاهدتها بالإيمان ولا تخل به، فما موقع قوله تعالى: ﴿ أولم تؤمن ﴾؟ قلت: قد وقعت لبعض الحذاق فيه على لطيفة، وهي أن هذه الصيغة تستعمل ظاهرا في السؤال عن الكيفية كما مر. وقد تستعمل في الاستعجاز. مثاله أن يدعى مدع أنه يحمل ثقلا من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له: أرني كيف تحمل هذا؟ فلما كانت هذه الصيغة قد يعرض لها هذا الاستعمال الذي أحاط علم الله تعالى بأن إبراهيم مبرأ منه - أراد بقوله: ﴿ أولم تؤمن ﴾ أن ينطق إبراهيم بقوله: ﴿ بلى ﴾ آمنت ليدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى ليكون إيمانه مخلصا، نص عليه بعبارة يفهمها كل من يسمعها فهما لا يلحقه فيه شك. فإن قلت: قد تبين لي وجه الربط بين الكلام على التقدير المبين. فما موقع قول إبراهيم: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ وذلك يشعر ظاهرا بأنه كان عند السؤال فاقدا للطمأنينة. قلت: معناه: ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الحياة، لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة وتعينت عندي بالتصوير المشاهد. فهذا أحسن ما يجري لي في تفسير هذه الآية. وربك الفتاح العليم. انتهى.