تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا، وقد ذكر البخاري في التفسير: أن أنس بن مالك أطعم - بعد ما كبر - عاما أو عامين، كل يوم مسكينا، خبزا ولحما، وأفطر، رواه تعليقا. ووصله أبو يعلى الموصلي في " مسنده ". ورواه عبد بن حميد في " مسنده " من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه وروى محمد بن هشام في " فوائده " عن حميد قال: ضعف أنس عن الصوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا..! فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر...!

ولما أبهم الأمر في الأيام عينت هنا بقوله تعالى:

﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات... ﴾.

2.185

﴿ شهر رمضان ﴾ لأن ذلك أفخم وآكد من تعيينه من أول الأمر.

وقال الراغب: جعل معالم فرضه على الأهلة ليبادر الإنسان به في كل وقت من أوقات السنة، كما يدور الشهر فيه من الصيف والشتاء والربيعين.

وفي رفع: ﴿ شهر ﴾ وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي شهر، يعني الأيام المعدودات. فعلى هذا يكون قوله: ﴿ الذي أنزل ﴾ نعتا للشهر أو لرمضان. والثاني: هو مبتدأ. ثم في الخبر وجهان: أحدهما: ﴿ الذي أنزل ﴾؛ والثاني: إن ﴿ الذي أنزل ﴾ صفة، والخبر هو الجملة التي هي قوله: ﴿ فمن شهد ﴾.

فإن قيل: لو كان خبرا لم يكن فيه الفاء لأن شهر رمضان لا يشبه الشرط!

قيل: الفاء - على قول الأخفش - زائدة. وعلى قول غيره ليست زائدة، وإنما دخلت لأنك وصفت الشهر ب ﴿ الذي ﴾ ، فدخلت الفاء كما تدخل في خبر نفس ﴿ الذي ﴾. ومثله

قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم

[الجمعة: 8]. فإن قيل: فأين الضمير العائد على المبتدأ من الجملة؟ قيل: وضع الظاهر موضعه تفخيما أي: فمن شهده منكم. كذا في العكبري.

﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ أي: ابتدأ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر.

قال الرازي: لأن مبادي الملل والدول هي التي يؤرخ بها، لكونها أشرف الأوقات، ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة.

وقال سفيان بن عيينة: معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله أن يقال: أنزل الله في الصديق كذا آية، يريدون في فضله.

وقال ابن الأنباري: أنزل - في إيجاب صومه على الخلق - القرآن، كما يقال: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا، يريد في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها، والله أعلم.

قال الحرالي: أشعرت الآية أن في الصوم حسن تلق لمعناه، ويسرا لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل، وهو صيغة مبالغة من القرء وهو ما جمع من الكتب والصحف والألواح. انتهى.

وفي مدحه - بإنزاله فيه - مدح للقرآن به، من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن، ليوقف على حقيقة ما اتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة، من أنه لا ريب فيه، وأنه هدى، على وجه أعم من ذلك الأول. فقال تعالى: ﴿ هدى للناس ﴾ نصب على الحال. ﴿ وبينات من الهدى والفرقان ﴾ عطف على الحال قبله. فهي حال أيضا. والظرف صفة. أي: أنزل حال كونه هداية للناس، وآيات واضحة مرشدة إلى الحق. فارقة بينه وبين الباطل. ولدفع سؤال التكرار في قوله ﴿ وبينات... ﴾ إلخ بعد قوله: ﴿ هدى للناس ﴾ حمل بعض المفسرين ﴿ الهدى ﴾ الأول بواسطة النكرة على الهدى الذي لا يقدر قدره المختص بالقرآن أعنى هدايته بإعجازه.

والثاني على الهدى الحاصل باشتماله على الواضحات من أمر الدين. والفرقان بين الحلال والحرام والأحكام والحدود والخروج من الشبهات.

وثمت وجه آخر نقله الرازي: وهو أن ﴿ الهدى ﴾ الثاني المراد به التوراة والإنجيل. قال تعالى:

نزل عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان

[آل عمران: 3-4]. فبين تعالى أن القرآن - مع كونه هدى في نفسه - ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدي وفرقان، والله أعلم.

محاسن التأويل · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٩٠