تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعلى هذا إذا قيل لهذه الأشياء: معرفة، فليس ببعيد، متى سلم لهم أن هذه القوى تسمى معرفة.

فأما إذا قيل: إن للجمادات معارف الإنسان في أنها تميز وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول. انتهى قول الراغب.

وهو تأويل حسن، ومبناه على أن اصطلاح السلف في كثير من الإطلاقات غير اصطلاحات الخلف. وهو مسلم في كثير من الإطلاقات.

وقوله تعالى: ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى. فإن الله عز وجل إذا كان عالما بما يعملونه، مطلعا عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. ولما بين سبحانه وتعالى قساوة قلوبهم، تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان، فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم من فلاحهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض التنكيب عليهم، والتبكيت لهم، منكرا للطمع في إيمانهم فقال:

﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله... ﴾.

2.75

﴿ أفتطمعون ﴾ أيها المؤمنون بعد أن علمتم تفاصيل شؤون أسلافهم المؤيسة عنهم ﴿ أن يؤمنوا ﴾ أي: هؤلاء اليهود الذين بين أظهركم وهم متماثلون في الأخلاق الذميمة، لا يأتي من أخلافهم إلا مثل ما أتى من أسلافهم. واللام في قوله: ﴿ لكم ﴾ لتضمن معنى الاستجابة كما في قوله عز وجل:

فآمن له لوط

[العنكبوت: 26] أي: في إيمانهم مستجيبين لكم. أو للتعليل أي في أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ أي: طائفة فيمن سلف منهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ قال ابن كثير: أي يتأولونه على غير تأويله. وقال ابن جرير: يعني بقوله: ﴿ يحرفونه ﴾ يبدلون معناه وتأويله ويغيرونه، أصله من انحراف الشيء عن جهته وهو ميله عنها إلى غيرها. فكذلك قوله: ﴿ يحرفونه ﴾ أي: يميلونه عن وجهه، ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره. ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله.

قال ابن جرير: هذا إخبار عن إقدامهم على البهت ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى عليه السلام، وأن بقاياهم في العصر المحمدي على مثل ما كان عليه أوائلهم في العصر الموسوي بغيا وحسدا. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى:

فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه

[المائدة: 13] والظاهر أن المراد، بالفريق منهم، أحبارهم، وإنما فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى، من بعد، في قوله تعالى:

واشتروا به ثمنا قليلا

[آل عمران: 187]، وقال:

يعرفونه كما يعرفون أبناءهم

[البقرة: 146، والأنعام: 20].

ولقائل أن يقول، كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين؟ وأجاب القفال عنه فقال: يحتمل أن يكون المعنى: كيف يؤمن هؤلاء، وهم إنما يأخذون دينهم، ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عنادا، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه، والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك، ولا يلتفتون إلى أقوال أهل الحق، وهو قولك للرجل: كيف تفلح، وأستاذك فلان؟ أي وأنت عنه تأخذ، ولا تأخذ عن غيره.

ونحوه قول الراغب: لما كان الإيمان هو العلم الحقيقي مع العمل بمقتضاه، فمتى لم يتحر ذلك من حصل له بعض العلوم، فحقيق ألا يحصل لمن غبي عن كل العلوم. فذكر ذلك تبعيدا لإيمانهم لا يأسا للحكم بذلك، إذ ليس كل ما لا يطمع فيه كان مأيوسا. ثم قال الراغب: وفي الآية تنبيه أن ليس المانع للإنسان من تحرى الإيمان الجهل به فقط، بل يكون عنادا وغلبة شهوة.

تنبيه

ما نقلناه عن ابن جرير وابن كثير في تفسير ﴿ ثم يحرفونه ﴾ هو الأنسب باعتبار سوق الآية الكريمة، ولا يتوهم من ذلك دفع تحريفهم اللفظي عن التوراة، فإنه واقع بلا ريب، فقد بدلوا بعضا منها وحرفوا لفظة، وأولوا بعضا منها بغير المراد منه، وكذا يقال في الإنجيل.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٧