فإنه - لو غير - لربما انتفت الدلالة على تلك الغرابة. وقيل: إن المحافظة على المثل إنما هي بسبب كونه استعارة.
فوجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ المشبه به. فإن وقع تغيير، لم يكن مثلا، بل مأخوذا منه، وإشارة إليه - كما في قولك: بالصيف ضيعت اللبن. بالتذكير.
وقال بعضهم: قد استعير المثل للحال، أو القصة، أو الصفة - إذا كان لها شأن، وفيها غرابة - كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا. وكذلك قوله:
مثل الجنة التي وعد المتقون
[الرعد: 35] أي: فيما قصصنا عليك من العجائب - قصة الجنة العجيبة الشأن، ثم أخذ في بيان عجائبها
ولله المثل الأعلى
[النحل: 60] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة.
مثلهم في التوراة
[الفتح: 29] أي: صفتهم وشأنهم المتعجب منه.
ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن.
2.18
﴿ صم بكم عمي ﴾ الصمم: آفة مانعة من السماع، سمى به فقدان حاسة السمع، لما أن سببه اكتناز باطن الصماخ، وانسداد منافذه، بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل الصوت بتموجه. والبكم: الخرس. والعمى: عدم البصر عما من شأنه أن يبصر.
وصفوا بذلك - مع سلامة حواسهم المذكورة - لما أنهم سدوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم، فجعلوا كأنما أصيب بآفة مشاعرهم - كقوله -:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به
وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وكقوله:
أصم عن الشي الذي لا أريده
واسمع خلق الله حين أريد
﴿ فهم لا يرجعون ﴾ أي: بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة - لا يعودون إلى الهدى - بعد أن باعوه. أو عن الضلالة - بعد أن اشتروها. فالآية الكريمة تتمة للتمثيل بأن ما أصابهم، ليس مجرد انطفاء نارهم، وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة - مع بقاء حاسة البصر بحالها - بل اختلت مشاعرهم جميعا - واتصفوا بتلك الصفات فبقوا جامدين في مكانهم لا يرجعون، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى ما ابتدأوا منه.