واستصوب ابن جرير قول من قال (ما) بمعنى (من) أي فمن يكذبك يا محمد بعد الذي جاءك من هذا البيان من الله بالدين.
قال الشهاب: ﴿ فما ﴾ استفهام عمن يعقل، وفيه نظر؛ لأنه خلاف المعروف، فلا يرتكب مع صحة بقائها على أصلها، كما بيناه لك، والداعي لارتكاب هذا، أن المعنى عليه أظهر إذا كان المخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنكار توبيخي للمكذبين له صلى الله عليه وسلم، بعد ما ظهر لهم من دلائل صدقه وصحة مدعاه.
﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ أي: بأحكم من حكم في أحكامه. قال أبو السعود: أي: أليس الذي فعل ما ذكر بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا، حتى يتوهم عدم الإعادة والجزاء، وحيث استحال عدم كونه أحكم الحاكمين، تعين الإعادة والجزاء. فالجملة تقريرا لما قبلها. وقيل: الحكم بمعنى: القضاء، فهي وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما يستحقونه من العذاب. و ﴿ أحكم ﴾ من الحكم أو الحكمة. قيل: والثاني: أظهر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأها قال:
" بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين "
أرسله قتادة، ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
96 - سورة العلق
96.1-5
﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ أي: اقرأ ما يوحى إليك من القرآن ملتبسا باسمه تعالى. أي مبتدئا به لتتحقق مقارنته لجميع أجزاء المقروء. قال أبو السعود: والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية، والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئا فشيئا مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام، للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية، من الكمالات البشرية، بإنزال الوحي المتواتر. ووصف الرب بقوله تعالى: ﴿ الذي خلق ﴾ لتذكير أول النعماء الفائضة عليه صلى الله عليه وسلم منه تعالى. والتنبيه على أن من قدر على خلق الإنسان على ما هو عليه من الحياة، وما يتبعها من الكمالات العلمية والعملية، من مادة لم تشم رائحة الحياة فضلا عن سائر الكمالات، قادر على تعليم القراءة للحي العالم المتكلم - أي: الذي أنشأ الخلق واستأثر به أو خلق كل شيء.
وقال الإمام: ترى من سياق الرواية التي قدمناها أن المتبادر من معنى الآية الأولى: كن قارئا باسم الله من قبيل الأمر التكويني. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قارئا ولا كاتبا. ولذلك كرر القول مرارا:
" ما أنا بقارئ "
وبعد ذلك جاء الأمر الإلهي بأن يكون قارئا وإن لم يكن كاتبا. فإنه سينزل عليه كتاب يقرؤه. وإن كان لا يكتبه. ولذلك وصف الرب بالذي خلق، أي الذي أوجد الكائنات التي لا يحيط بها الوصف، قادر أن يوجد فيك القراءة وإن لم يسبق لك تعلمها؛ لأنك لم تكن تدري ما الكتاب. فكأن الله يقول: كن قارئا بقدرتي وبإرادتي وإنما عبر بالاسم، لأنه كما سبق في (سورة سبح) دال على ما تعرف به الذات، وخلق القراءة يلفتك إلى الذات وصفاتها جميعا؛ لأن القراءة علم في نفس حية. فهي تخطر ببالك من الله وجوده وعلمه وقدرته وإرادته. أما إذا حملنا الأمر على التكليف وقلنا: إن المعنى أنك مأمور إذا قرأت أن تقرأ: باسم الله، وهو خلاف المتبادر، فيكون معنى ذلك: إذا قرأت فاقرأ دائما على أن تكون قراءتك عملا تنفذه لله لا لغيره فلو فرض أنه قرأ وجعل قراءته لله لا لأحد سواه ولم يذكر الاسم، فهو قارئ باسم الله. وإنما طلبت التسمية باللسان لتكون منبهة للضمير في بداية كل عمل، إلى أن يرجع إلى الله في ذلك العمل. ويلاحظ أنه يعمل لاسمه لا لاسم غيره سبحانه. انتهى. وهو جيد ﴿ خلق الإنسان من علق ﴾ أي: دم جامد. وهي حالة الجنين في الأيام الأولى لخلقه. وتخصيص خلق الإنسان بالذكر من بين سائر المخلوقات، لاستقلاله ببدائع الصنع والتدبير وتفخيما لشأنه. إذ هو أشرفها وإليه التنزيل. وهو المأمور بالقراءة، وإنما قال ﴿ علق ﴾ دون (علقة) كما في الآية الأخرى، لرعاية الفواصل؛ ولأن (الإنسان) مراد به الجنس.