56 - سورة الواقعة
56.1-3
﴿ إذا وقعت الواقعة ﴾ أي: نزلت وجاءت. و (الواقعة) علم بالغلبة على القيامة، أو منقول، سميت بذلك لتحقق وقوعها، وكأنه قيل: إذا وقعت التي لا بد من وقوعها. واختيار (إذا) مع صيغة المضي، للدلالة على ما ذكر. ﴿ ليس لوقعتها كاذبة ﴾ أي: كذب أو تكذيب. وقد جاء المصدر على زنة (فاعلة) كالعاقبة، والعافية. واللام للاختصاص. أو المعنى: ليس حين وقعتها نفس كاذبة، أي: تكذب على الله، أو تكذب في نفيها. واللام للتوقيت.
قال الشهاب: و (الواقعة): السقطة القوية، وشاعت في وقوع الأمر العظيم. وقد تخص بالحرب؛ ولذا عبر بها هنا. ﴿ خافضة رافعة ﴾ أي: تخفض الأشقياء إلى الدركات، وترفع السعداء إلى الدرجات. وقيل، الجملة مقررة لعظمة الواقعة على طريق الكناية؛ لأن من شأن الوقائع العظام أنها تخفض قوما وترفع آخرين.
56.4-6
﴿ إذا رجت الأرض رجا ﴾ أي: زلزلت زلزالا شديدا ﴿ وبست الجبال بسا ﴾ أي: فتتت، أو سيقت وأذهبت، كقوله:
وسيرت الجبال
[النبأ: 20] ﴿ فكانت هبآء منبثا ﴾ أي: متفرقا. قال قتادة: الهباء: ما تذروه الريح من حطام الشجر. وقال غيره: هو ما يرى من الكوة كهيأة الغبار.
56.7-12
﴿ وكنتم أزواجا ﴾ أي: أصنافا ﴿ ثلاثة * فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة ﴾ تقسيم وتنويع للأزواج الثلاثة، مع الإشارة الإجمالية إلى أحوالهم قبل تفصيلها. وإطلاق ﴿ الميمنة ﴾ و ﴿ المشأمة ﴾ اللتين هما الجهتان المعروفتان، على منزلة السعداء الذين هم الأبرار والمصلحون من الناس، وعلى دركة الأشقياء الذين هم الأشرار والمفسدون من الناس - أصله من تيمن العرب باليمين، وتشاؤمهم بالشمال، كما في السانح والبارح، وقولهم للرفيع: هو مني باليمين، وللوضيع: هو مني بالشمال، تجوزا به، أو كناية به عما ذكر.
وقيل: الميمنة والمشأمة بمعنى: اليمن والشؤم، فليس بمعنى الجهة، بل بمعنى البركة وضدها، لما عاد عليهم من أنفسهم وأفعالهم. و في جملتي الاستفهام إشارة إلى ترقي أحوالهما في الخير والشر، تعجبا منه.
﴿ والسابقون السابقون ﴾ أي: الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة، بعد ظهور الحق، وأوذوا لأجله، وصبروا على ما أصابهم، وكانوا الدعاة إليه.
فإن قيل: لم خولف بين المذكورين في السابقين، وفي أصحاب اليمين، مع أن كل واحد منهما إنما أريد به التعظيم والتهويل لحال المذكورين؟
فنقول: التعظيم المؤدي بقوله: ﴿ السابقون ﴾ أبلغ من قرينه. وذلك أن مؤدي هذا أن أمر السابقين، وعظمة شأنه، ما لا يكاد يخفى. وإنما تحير فهم السامع فيه مشهور. وأما المذكور في قوله: ﴿ فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة ﴾ فإنه تعظيم على السامع بما ليس عنده منه علم سابق. ألا ترى كيف سبق بسط حال السابقين بقوله: ﴿ أولئك المقربون ﴾ فجمع بين اسم الإشارة المشار به إلى معروف، وبين الإخبار عنه بقوله: ﴿ المقربون ﴾ معرفا بالألف واللام العهدية؟ وليس مثل هذا مذكورا في بسط حال أصحاب اليمين، فإنه مصدر بقوله:
في سدر مخضود
[الواقعة: 28] أفاده الناصر.
و ﴿ السابقون ﴾ الثاني إما خبر، أي الذين عرفت حالهم، واشتهرت أوصافهم على حد (وشعري شعري)، أو تأكيد، والخبر قوله:
﴿ أولئك المقربون ﴾ أي: الذين يقربهم الله منه بإعلاء منازلهم ﴿ في جنات النعيم ﴾.