84.22-25
﴿ بل الذين كفروا يكذبون ﴾ أي: بآيات الله وتنزيله، المبين لما ذكر من أحوال القيامة، وأهوالها، مع تحقيق موجبات تصديقه، والإضراب عن محذوف تقديره كما قال الإمام، لا تظن أن قرع القرآن لم يكسر أغلاق قلوبهم، ولم يبلغ صوته أعماق ضمائرهم. بلى، قد بلغ وأقنع فيما بلغ. ولكن العناد هو الذي يمنعهم عن الإيمان، ويصدهم عن الإذعان، فليس منشأ التكذيب قصور الدليل. وإنما هو تقصير المستدل وإعراضه عن هدايته، فالإضراب يرمي إلى محذوف من القول يدل عليه السابق واللاحق ﴿ والله أعلم بما يوعون ﴾ أي: بما يسرون في صدورهم من حقية التنزيل، وإن أخفوه عنادا. أو بما يضمرون من البغي والمكر، فسيجزيهم عليه. ولذا قال: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ أي: جزاء على تكذيبهم وإعراضهم وبغيهم ﴿ إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر غير ممنون ﴾ أي: غير مقطوع أو غير ممنون به عليهم. والاستثناء منقطع أو متصل، على أن المراد بمن آمن من أسلم منهم فآمنوا باعتبار ما مضى أو بمعنى (يؤمنون) وكونه منقطعا أظهر لمجيء ﴿ لهم أجر ﴾ بغير فاء. والله أعلم.
85 - سورة البروج
85.1-9
﴿ والسمآء ذات البروج ﴾ أي: الكواكب والنجوم. شبهت بالبروج، وهي القصور، لعلوها. أو البروج منازل عالية في السماء.
قال ابن جرير: وهو اثنا عشر برجا. فمسير القمر في كل برج منها يومان وثلث فذلك ثمانية وعشرون منزلا. ثم يستتر ليلتين. ومسير الشمس في كل برج منها شهر. وأصل معنى البروج - كما قاله الشهاب: الأمر الظاهر من التبرج. ثم صار حقيقة في العرف للقصور العالية؛ لأنها ظاهرة للناظرين. ويقال لما ارتفع من سور المدينة: (برج) أيضا. فشبه على هذا - الفلك بسور المدينة وأثبت له البروج ﴿ واليوم الموعود ﴾ أي: الذي وعد فيه العباد لفصل القضاء بينهم، وذلك يوم القيامة ﴿ وشاهد ﴾ وهو كل ماله حس يشهد به ﴿ ومشهود ﴾ وهو كل محس يشهد بالحس. فيدخل فيه العوالم المشهودة كلها. وتخصيص بعض المفسرين بعضا مما يتناوله لفظهما، لعله لأنه الأهم. أو الأولى أو الأعرف والأظهر، لقرينة عنده. وإلا فاللفظ على عمومه، حتى يقوم برهان على تخصيصه.
﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ أي: قتلهم الله وأهلكهم وانتقم منهم. على أن الجملة خبرية هي جواب القسم. أو دليل جوابه إن كانت دعائية. والتقدير: لتبلون كما ابتلي من قبلكم، ولينتقمن ممن فتنكم كما انتقم من الذين ألقوا المؤمنين في الأخدود.
قال الزمخشري: وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم (قتلت قريش) كما قيل: ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ والأخدود: الحفرة في الأرض مستطيلة. وقوله تعالى: ﴿ النار ذات الوقود ﴾ بدل من ﴿ الأخدود ﴾ و ﴿ الوقود ﴾ بالفتح الحطب الجزل الموقد به وأما ﴿ الوقود ﴾ بالضم فهو الإيقاد ﴿ إذ هم عليها ﴾ أي: على حافات أخدودها ﴿ قعود ﴾ أي: قاعدون يتشفون من المؤمنين ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ أي: حضور يشاهدون احتراق الأجساد الحية، وما تفعل بها النيران. لا يرقون لهم لغاية قسوة قلوبهم.
﴿ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله ﴾ أي: وما أنكروا منهم، ولا كان لهم ذنب إلا الإيمان بالله وحده.
قال الراغب: نقمت من الشيء ونقمته إذا أنكرته؛ إما باللسان وإما بالعقوبة، ومنه الانتقام ﴿ العزيز ﴾ أي: الغالب على أعدائه بالقهر والانتقام ﴿ الحميد ﴾ أي: المحمود على إنعامه وإحسانه ﴿ الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ﴾ أي: على كل شيء من أفاعيل هؤلاء الفجرة أصحاب الأخدود وغيرهم، شاهد شهودا لا يخفى عليه منه مثقال ذرة وهو مجازيهم عليه. وفي توصيفه تعالى بما ذكر من النعوت الحسنى، إشعار بمناط إيمانهم.