تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال العلامة الفناري في (فصول البدائع): ولا يضلل جاحد الآحاد. والمسألة معروفة في الأصول. وإنما توسعت في نقولها لأني رأيت من متعصبة أهل الرأي من أكبر رد خبر رواه مثل البخاري، وضلل منكره.

فعلمت أن هذا من الجهل بفن الأصول، لا بل بأصول مذهبه. كما رأيت عن الفناري. ثم قلت: العهد بأهل الرأي أن لا يقيموا للبخاري وزنا. وقد ردوا المئين من مروياته بالتأويل والنسخ. فمتى صادقوه حتى يضللوا من رد خبرا فيه؟؟ وقد برهن على مدعاه، وقام يدافع عن رسول الله ومصطفاه.

وبعد، فالبحث في هذا الحديث شهير قديما وحديثا. وقد أوسع المقال فيه شراح (الصحيح) وابن قتيبة في شرح (تأويل مختلف الحديث) والرازي. والحق لا يخفى على طالبه، والله أعلم.

﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ قال الزمخشري: أي: إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود. لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره، فلا ضرر يعود منه على من حسده. بل هو الضار لنفسه، لاغتمامه بسرور غيره.

114 - سورة الناس

114.1-6

﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ أي: ألجأ إليه وأستعين به، و (رب الناس) الذي يربيهم بقدرته ومشيئته وتدبيره. وهو رب العالمين كلهم والخالق للجميع ﴿ ملك الناس ﴾ أي: الذي ينفذ فيهم أمره وحكمه وقضاؤه ومشيئته دون غيره ﴿ إله الناس ﴾ أي: معبودهم الحق وملاذهم إذا ضاق بهم الأمر، دون كل شيء سواه. والإله المعبود الذي هو المقصود بالإرادات والأعمال كلها ﴿ من شر الوسواس ﴾ أي: الشيطان ذي الوسوسة. وقد زعم الزمخشري ومن تبعه؛ أن الوسواس مصدر أريد به الموسوس أو بتقدير (ذي). وحقق غير واحد أنه صفة كالثرثار، وأن فعلالا (مصدر فعلل) بالكسر والمفتوح شاذ، وقد بسط الكلام في ذلك الإمام ابن القيم في (بدائع الفوائد) ﴿ الخناس ﴾ أي: الذي عادته أن يخنس - أي يتأخر - إذا ذكر الإنسان ربه، لأنه لا يوسوس إلا مع الغفلة. وكلما تنبه العبد فذكر الله، خنس ﴿ الذى يوسوس في صدور الناس ﴾ أي: بالإلقاء الخفي في النفس. إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه، وإما بغير صوت.

قال ابن تيمية: و (الوسوسة) من جنس (الوشوشة) بالشين المعجمة. يقال (فلان يوسوس فلانا) و (قد وشوشه) إذا حدثه سرا في أذنه. وكذلك الوسوسة. ومنه وسوسة الحلي. لكن هو بالسين المهملة، أخص.

وقال الإمام: إنما جعل الوسوسة في الصدور، على ما عهد في كلام العرب من أن الخواطر في القلب، والقلب مما حواه الصدر عندهم، وكثيرا ما يقال: (إن الشك يحوك في صدره) وما الشك إلا في نفسه وعقله. وأفاعيل العقل في المخ، وإن كان يظهر لها أثر في حركات الدم وضربات القلب وضيق الصدر أو انبساطه.

وقوله تعالى: ﴿ من الجنة والناس ﴾ بيان للذي يوسوس، على أنه ضربان: ضرب من الجنة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم، وإنما نجد في أنفسنا أثرا ينسب إليهم. وضرب من الإنس كالمضللين من أفراد الإنسان، كما قال تعالى:

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا

[الأنعام: 112]. وإيحاؤهم هو وسوستهم.

قال ابن تيمية: فإن قيل: فإن كان أصل الشر كله من الوسواس الخناس، فلا حاجة إلى ذكر الاستعاذة من وسواس الناس، فإنه تابع لوسواس الجن. قيل: بل الوسوسة نوعان: نوع من الجن، ونوع من نفوس الإنس. كما قال:

ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه

[ق: 16] فالشر من الجهتين جميعا. والإنس لهم شياطين كما للجن شياطين.

وقال أيضا: الذي يوسوس في صدور الناس نفسه لنفسه، وشياطين الجن وشياطين الإنس. فليس من شرط الموسوس أن يكون مستترا عن البصر، بل قد يشاهد.

لطائف

الأولى: قال ابن تيمية: إنما خص الناس بالذكر، لأنهم المستعيذون.

فيستعيذون بربهم الذي يصونهم، وبملكهم الذي أمرهم ونهاهم وبإلههم الذي يعبدونه من شر الذي يحول بينهم وبين عبادته. ويستعيذون أيضا من شر الوسواس الذي يحصل في نفوس منهم ومن الجنة. فإنه أصل الشر الذي يصدر منهم والذي يرد عليهم.

محاسن التأويل · الصفحة ٣٠٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٠٧٩