2.218
﴿ إن الذين ءامنوا ﴾ بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه ﴿ والذين هاجروا ﴾ تركوا مكة وعشائرهم إذ أخرجوا من المسجد الحرام ﴿ وجهدوا في سبيل الله ﴾ ولو في الشهر الحرام للدفع عن أنفسهم ﴿ أولئك ﴾ وإن باشروا القتال في الشهر الحرام ﴿ يرجون رحمت الله ﴾ أي: جنته على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم. وإنما ثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للإيذان بأنهم عالمون بأن العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضل منه سبحانه، لا لأن في فوزهم اشتباها ﴿ والله غفور ﴾ لهتكهم حرمة الشهر ﴿ رحيم ﴾ بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم.
2.219
﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ هذه الآية أول آية نزلت في الخمر، على ما قاله ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ثم نزلت الآية في المائدة.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمر أنه قال - لما نزل تحريم الخمر - قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا! فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في النساء
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى
[النساء: 43] فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا أقام الصلاة - نادى أن: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا انتهينا.
وحقيقة الخمر ما أسكر من كل شيء. روى الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة ".
وأما الميسر: فهو القمار - بكسر القاف - مصدر من يسر - كالموعد والمرجع من فعلهما - يقال: يسرته إذا قمرته، واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره.
وصفته: أنه كانت لهم عشرة أقداح يقال لها: الأزلام والأقلام وهي:
الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس - بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وككتف - والنافس، والمسبل - كمحسن - والمعلى - كمعظم - والمنيح - كأمير، والسفيح - بوزن ما قبله - والوغد لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء كما قاله أبو عمر أو ثمانية وعشرين جزءا كما قال الأصمعي وهو الأكثر، إلا ثلاثة منها وهي المنيح والسفيح والوغد فلا أنصباء لها. وإنما يكثر بها القداح كراهة التهمة. ولبعضهم:
لي في الدنيا سهام
ليس فيهن ربيح
وأساميهن: وغد
وسفيح ومنيح
فللفذ سهم - أي: فرض واحد - وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج، باسم رجل رجل، قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله.
وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم بفتحتين. كذا في الكشاف بزيادة.
وفي القاموس وشرحه: الميسر: اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها. كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه وقسموه ثمانية وعشرين قسما أو عشرة أقسام فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل. وإنما سمي الجزور ميسرا لأنه يجزأ أجزاء. وكل شيء جزأته فقد يسرته؛ ويسرت الناقة جزأت لحمها، ويسر القوم الجزور أي: اجتزروها واقتسموا أجزاءها. قال سحيم بن وثيل اليربوعي: