تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعنى البأس في اللغة: الشدة، يقال: لا بأس عليك في هذا، أي: لا شدة. وعذاب بئيس: شديد. وسميت الحرب بأسا لما فيها من الشدة. والعذاب يسمى بأسا لشدته. قال تعالى:

فلما رأوا بأسنا

[غافر: 84].

فلمآ أحسوا بأسنآ

[الأنبياء: 12].

فمن ينصرنا من بأس الله

[غافر: 29]. وقال ابن سيده: البأس الحرب، ثم كثر حتى قيل: لا بأس عليك، أي: لا خوف.

وقال الراغب: استوعبت هذه الجملة أنواع الضر. لأنه إما يحتاج إلى الصبر في شيء يعوز الإنسان، أو يريده فلا يناله، وهو البأساء. أو فيما نال جسمه من ألم، وهو الضراء. أو في مدافعة مؤذيه. وهو البأس.

﴿ أولئك الذين صدقوا ﴾ في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فلم تغيرهم الأحوال، ولم تزلزلهم الأهوال، وفيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه الإيمان..! ﴿ وأولئك هم المتقون ﴾ عن الكفر وسائر الرذائل. وتكرير الإشارة لزيادة تنويه بشأنهم. وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم.

قال الواحدي: هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع. فمن شرائط البر، وتمام شرط البار، أن تجتمع فيه هذه الأوصاف. ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر.

2.178

﴿ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ هذا شروع في بيان الحدود والحقوق التي لآدمي معين، وهي النفوس. و ﴿ كتب ﴾ بمعنى فرض وأوجب.

قال الراغب: الكتابة يعبر بها عن الإيجاب، وأصل ذلك أن الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب. فيعبر عن المراد الذي هو المبدأ بالكتابة التي هي المنتهى.

﴿ الحر ﴾ يقتل ﴿ بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له ﴾ من القاتلين ﴿ من أخيه ﴾ أي: دم أخيه المقتول ﴿ شيء ﴾ بأن ترك وليه القود منه، ونزل عن طلب الدم إلى الدية. وفي ذكر الأخوة: تعطف داع إلى العفو، وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ﴿ فاتباع ﴾ أي: فعلى العافي اتباع للقاتل ﴿ بالمعروف ﴾ بأن يطالبه بالدية بلا عنف ﴿ و ﴾ على القاتل ﴿ أدآء ﴾ للدية ﴿ إليه ﴾ أي: العافي وهو الوارث ﴿ بإحسان ﴾ بلا مطل ولا بخس.

﴿ ذلك ﴾ أي: ما ذكر من الحكم وهو جواز القصاص والعفو عنه على الدية ﴿ تخفيف ﴾ تسهيل ﴿ من ربكم ﴾ عليكم ﴿ ورحمة ﴾ بكم حيث وسع في ذلك، ولم يحتم واحدا منهما ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم أو قتل القاتل بعد العفو أو أخذ الدية ﴿ فله ﴾ باعتدائه ﴿ عذاب أليم ﴾ أما في الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حق، وأما في الآخرة فبالنار.

تنبيهات

الأول: قال الراغب: إن قيل: على من يتوجه هذا الوجوب في قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم ﴾؟ أجيب: على الناس كافة. فمنهم من يلزمه استقادته - وهو الإمام - إذا طلبه الولي. ومنهم من يلزمه تسليم النفس وهو القاتل. ومنهم من يلزمه المعاونة والرضا به. ومنهم من يلزمه ألا يتعدى بل يقتص أو يأخذ الدية. والقصد بالآية: منع التعدي الجاهلي.

الثاني: القصاص مصدر قاصه، المزيد. وأصل القص: قطع الشيء على سبيل الاجتذاذ، ومنه: قص شعره. وقص الحديث: اقتطع كلاما حادثا جدا وغيره، والقصة اسم منه. وحقيقة القصاص: أن يفعل بالقاتل والجارح ومثل ما فعلا. أفاده الراغب.

الثالث: ذكر تقي الدين ابن تيمية في " السياسة الشرعية " جملة من أحكام القتل نأثرها عنه هنا. قال رحمه الله:

" القتل ثلاثة أنواع: أحدها: العمد المحض: وهو أن يقصد من يعلمه معصوما بما يقتل غالبا. سواء كان يقتل بحده، كالسيف ونحوه. أو بثقله، كالسندان وكودس القصار. أو بغير ذلك: كالتحريق، والتغريق، وإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين حتى يخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم... ونحو ذلك من الأفعال. فهذا إذا فعله وجب فيه القود. وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل. فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية؛ وليس لهم أن يقتلوا غير قاتله. قال الله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٧٨