فحرثي همه أكل الجراد
يريد: امرأتي. وقال آخر:
إنما الأرحام أرض
ولنا محترثات
فقلبنا الزرع فيها
وعلى الله النبات...!
وحينئذ ففي قوله: ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ إطلاق في إتيانهن على جميع الوجوه. فيدخل فيه محل النزاع. واعتمد أيضا من سبب النزول ما رواه البخاري عن ابن عمر كما تقدم. وقال في رواية جابر المروية في الصحيح المتقدمة: إن ورود العام على سبب لا يقصره عليه. وأجاب عن توهيم ابن عباس لابن عمر، رضي الله عنهم، المروي في سنن أبي داود بأن سنده ليس على شرط البخاري فلا يعارضه. فيقدم الأصح سندا. ونظر إلى أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب حديث.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ذهب جماعة من أئمة الحديث - كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري - إلى أنه لا يثبت فيه شيء.
وأما من منع ذلك: فتأول الآيات المتقدمة على صمام واحد. ونظر إلى أن الأحاديث المروية - من طرق متعددة - بالزجر عن تعاطيه، وإن لم تكن على شرط الشيخين في الصحة، إلا أن مجموعها صالح للاحتجاج به.
وقد استقصى الأحاديث الواردة في ذلك، الحافظ الذهبي في جزء جمعه في ذلك. وساق جملة منها الحافظ ابن كثير في تفسيره وكذا الإمام ابن القيم في زاد المعاد وقد هول - عليه الرحمة - في شأنه تهويلا عظيما. فقال في كتابه المذكور، في الكلام على هديه صلى الله عليه وسلم في الجماع، ما نصه:
وأما الدبر، فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء. ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة من دبرها فقد غلط عليه. ثم ساق أخبار النهي عنه - وقال بعد: وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه إنما أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد، لا في الحش الذي هو موضع الأذى. وموضع الحرث هو المراد من قوله:
من حيث أمركم الله
[النساء: 222] الآية - ﴿ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال: ﴿ أنى شئتم ﴾ أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف: قال ابن عباس: ﴿ فأتوا حرثكم ﴾. يعني الفرج؛ وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. وأيضا، فللمرأة حق على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يحصل مقصودها. وأيضا فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما الذي هيئ له الفرج؛ فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا. وأيضا فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء، الأطباء من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن. وراحة الرجل منه، والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي... وأيضا يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته للطبيعة. وأيضا فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه. وأيضا فإنه يضر بالمرأة جدا، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غاية المنافرة. وأيضا فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول. وأيضا فإنه يسود الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسماء، يعرفها من له أدنى فراسة. وأيضا، فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول، ولا بد.
وأيضا: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح. إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضا فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدهما. كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلها بها تباغضا وتلاعنا. وأيضا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله، وإعراضه عن فاعله، وعدم نظره إليه فأي خير يرجوه بعد هذا؟ وأي شر يأمنه؟ وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه؟