تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

54 - سورة القمر

54.1

﴿ اقتربت الساعة ﴾ أي: دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة. كما قال:

أتى أمر الله فلا تستعجلوه

[النحل: 1] وقال:

اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون

[الأنبياء: 1].

قال ابن جرير: وهذا من الله تعالى إنذار لعباده بدنو القيامة، وقرب فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة، قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون. ﴿ وانشق القمر ﴾.

54.2

﴿ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ﴾ قال ابن جرير: كان ذلك، فيما ذكر، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، قبل هجرته إلى المدينة. وذلك أن كفار أهل مكة سألوه آية، فأراهم صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته، فلما أراهم أعرضوا وكذبوا، وقالوا: هذا سحر مستمر، سحرنا محمد. ثم روي ذلك عن أنس وابن مسعود وابن عباس، وغير واحد من التابعين.

وقال القاضي عياض في (الشفا): أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي، وإعراض الكفرة عن آياته، وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه، ثم سرد الآثار في ذلك.

وزعم ابن كثير أن أحاديثه متواترة، إلا أن الشهاب نقل عن الإمام الخطابي أن معجزاته صلى الله عليه وسلم، غير القرآن، لم تتواتر. والحكمة فيه أنها لو تواترت كانت عامة، والمعجزة إذا عمت أهلك الله من كذبها، كما جرت به العادة الإلهية. والنبي صلى الله عليه وسلم بعث رحمة، وأمن الله أمته من عذاب الاستئصال.

ثم قال: وسبب تعرضهم للتواتر طعن بعض الملاحدة بأن القمر يشاهده كل أحد، فلو انقسم قطعتين تواتر وشاع في جميع الناس، ولم يخف على أحد، والطبائع حريصة على إشاعة ما لم يعهد مثله، ولا أغرب من هذا. مع أن الملازمة غير لازمة؛ لأنه في الليل، وزمان الغفلة، ولا يلزم امتداده، ولا أن يرى إذ ذاك في جميع الآفاق، لاختلاف المطالع. انتهى.

وقد ذكر ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث): أن الذي طعن في تلك الآثار المروية عن ابن مسعود هو النظام، إلا أنه لم ينقل تأويله للآية على رأيه، ولعله هو القول الثاني الذي حكاه الزمخشري والبيضاوي، ورواه أبو السعود عن عثمان بن عطاء عن أبيه أن المعنى: وسينشق القمر، يعني يوم القيامة إذا انكدرت النجوم وانتثرت. والمراد بالآية إما القرآن أو ما يقترحونه لو أجيبوا إلى طلبه.

ومعنى ﴿ مستمر ﴾ دائم مطرد، أو محكم قوي، من (مررت الحبل) إذا أحكمت فتله. أو مار ذاهب لا يبقى، تعليلا لأنفسهم بالأماني الفارغة. أو منفور عنه لشدة مرارته مجازا.

وجملة ﴿ وإن يروا ﴾ مستأنفة أو حالية.

قال الشهاب: ولو كانت هذه الجملة حالية، والمعنى: أن الساعة اقتربت، وانشقاق القمر فيها دنا زمانه، وظهرت آثاره، والحال أنهم مصرون على العناد - كان منتظما أتم انتظام، ولا ضير فيه سوى مخالفته للمنقول عن السلف في تفسيرها، فتأمل. انتهى.

أقول: ولي ههنا كلمة لا بد من التنبيه عليها، وهي أن الرمي بالإلحاد لمنكر حديث غير مجمع على تواتره، جناية كبرى، وزلة عظمى. فإن باب التكفير والتضليل، ليس بالأمر القليل، ولأجله صنف حجة الإسلام الغزالي كتابه (فيصل التفرقة) ودمغ بحججه أولئك المتعصبين الذين سهل عليهم الرمي لمن خالفهم بالزندقة، ولعمر الحق إن هذا مما فرق الكلمة، ونفر حملة العلم عن تعرف المشارب والآراء، حتى أصبح باب التوسع في العلم مرتجا، ومحيطه بعد مده منحسرا، إذ هجرت كتب الفرق الأخرى بل أحرقت، وأهين من يتأثلها، ورمي بالابتداع أو التزندق، كما يمر كثير من مثل هذا بمطالع كتب التاريخ وطبقات الرجال، فلا جرم نسيت الأقوال الباقية، وعدت من الشاذ غير المقبول.

وإذا ألصق اسم الإلحاد بقائلها، فماذا يكون حالها؟ وهذا، كما لا يخفاك، حيف على قواعد العلم، وغل للأفكار، نعم! تفلت منهم علم الأصول، فلم تزل الأقوال الغريبة تتراءى على صفحاته، وإن كان مما يغمز كثير منها، إلا أنها سارت تلج آذانهم، ويحتج بها عليهم، وقد تنبه كثير من المحققين لما ذكرناه، وأشاروا له في مواضع، فقرروا في كتب العقائد أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٤٣