وقد سبقه الشهاب في (حواشيه) على القاضي، حيث ناقش صاحب المقاصد في دعواه الإجماع على إحباط عمل الكفرة. وعبارته: كيف يدعى الإجماع على الإحباط بالكلية، وهو مخالف لما صرح به في الآية؟ والذي يلوح للخاطر، بعد استكشاف سرائر الدفاتر، أن الكفار يعذبون على الكفر بحسب مراتبه. فليس عذاب أبي طالب كعذاب أبي جهل. ولا عذاب المعطلة كعذاب أهل الكتاب، كما تقتضيه الحكمة والعدل الإلهي. انتهى.
الثاني: قال في (الإكليل): في هاتين الآيتين، الترغيب في قليل الخير وكثيره. والتحذير من قليل الشر وكثيره. أخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: هذه الآية أحكم آية في القرآن. وفي لفظ أجمع.
وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:
" الجامعة الفاذة "
، حين سئل عن زكاة الحمير فقال:
" ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة "
﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾. وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية. عم الفرزدق،
" أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ﴾ إلخ. قال: " حسبي. لا أبالي أن لا أسمع غيرها "
ورواه النسائي في تفسيره.
100 - سورة العاديات
100.1-5
﴿ والعاديات ضبحا ﴾ إقسام بخيل الغزاة التي تعدو نحو العدو، فتضبح. و (الضبح) صوت أنفاسها إذا عدت. وليس المراد بالصوت الصهيل. بل قواها (اح. اح) كما قاله ابن عباس. ونصب ﴿ ضبحا ﴾ إما بفعله المحذوف، أو بالعاديات لإفادته معناه، أو بالحالية ﴿ فالموريات قدحا ﴾ أي: تورى النار بحوافرها. والقدح هو الضرب لإخراج النار، والإيراء يترتب عليه. لأنه إخراج النار وإيقادها. فإيراؤها ما يرى من صدم حوافرها للحجارة. وتسمى نار الحباحب. ولما كان مرتبا على عدوها، عطفه بالفاء. وكون المراد به الحرب - بعيد. وفي إعرابه الوجوه السابقة.
﴿ فالمغيرات صبحا ﴾ أي: تغير على العدو في وقته. يقال: (أغار على العدو) إذا هجم عليه ليقتله أو يأسره أو يستلب ماله.
قال الإمام: وهو وصف عرض للخيل من الغاية التي أجريت لها. أي: أنها تعدو ويشتد عدوها حتى يخرج الشرر من حوافرها، لتهجم على عدو وقت الصباح، وهو وقت المفاجأة لأخذ العدو على غير أهبة ﴿ فأثرن به نقعا ﴾ أي: فأهجن، بذلك الوقت غبارا من الإثارة. وهي التهييج وتحريك الغبار ونحوه ليرتفع. والنقع: الغبار كما ذكرنا، وورد بمعنى الصياح. فجوز إرادته هنا بمعنى صياح من هجم عليه، وأوقع به. لا صياح المغير على المحارب، وإن جاز على بعد فيه. أي: هيجن الصياح بالإغارة على العدو، وضمير ﴿ به ﴾ للوقت والباء ظرفية. وفيه احتمالات أخر. ككونه للعدو أو للإغارة، لتأويلها بالجري. فالباء سببية أو للملابسة. ويجوز كونها ظرفية أيضا. والضمير للمكان الدال عليه السياق، للعلم بأن الغبار لا يثار إلا من موضع. وهو الذي اختاره ابن جرير.
قال الشهاب: وذكر إثارة الغبار، للإشارة إلى شدة العدو وكثرة الكر والفر. وتخصيص الصبح؛ لأن الغارة كانت معتادة فيه. أي: لمباغتة العدو. والغبار إنما يظهر نهارا، و ﴿ أثرن ﴾ معطوف على ما قبله.
قال الناصر: وحكمة الإتيان بالفعل معطوفا على الاسم، الذي هو العاديات أو ما بعده؛ لأنها أسماء فاعلين تعطي معنى الفعل. وحكمة مجيء هذا المعطوف فعلا عن اسم فاعل، تصوير هذه الأفعال في النفس. فإن التصوير يحصل بإيراد الفعل بعد الاسم لما بينهما من التخالف. وهو أبلغ من التصوير بالأسماء المتناسقة. وكذلك التصوير بالمضارع بعد الماضي.
وقوله تعالى: ﴿ فوسطن به جمعا ﴾ أي: فتوسطن ودخلن في وسط جمع من الأعداء، ففرقنه وشتتنه. يقال: (وسطت القوم) بالتخفيف و (وسطته) بالتشديد و (توسطته) بمعنى واحد. وفي الضمير الوجوه المتقدمة.