تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.242

﴿ كذلك ﴾ أي: مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم ﴾ في جميع المواضع ﴿ آياته ﴾ الدالة على أحكامه ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تفهموا ما فيها وتعملوا بموجبها.

2.243

﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا ﴾ أي: ممن تقدمكم من الأمم ﴿ من ديرهم ﴾ أي: التي ألفوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به من الموت. ولفظة ﴿ ألم تر ﴾ قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجيب والتقرير والتذكير - كالأحبار وأهل التاريخ - وقد تذكر لمن لا يكون كذلك. فتكون لتعريفه وتعجيبه.

قال الراغب: رأيت يتعدى بنفسه دون الجار. لكن لما استعير ﴿ ألم تر ﴾ لمعنى ألم تنظر عدى تعديته بإلى، وفائدة استعارته: أن النظر قد يتعدى عن الرؤية، فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له، وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال: رأيت إلى كذا.

﴿ وهم ألوف ﴾ أي: في العدد جمع ألف، أو وهم مؤتلفون ومجتمعون مع آلف، بالمد - كشاهد وشهود - أي: إن خروجهم لم يكن عن افتراق كان منهم ولا تباغض ولكن ﴿ حذر الموت ﴾ مفعول له - أي: فرارا منه وقوله: ﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ معناه: فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك مشيته خارجة عن العادة كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف. كقوله تعالى:

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82] ﴿ ثم أحيهم ﴾ عطف. إما على مقدر يستدعيه المقام أي: فماتوا ثم أحياهم - وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته. وإما على قال لما أنه عبارة عن الإماتة ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ قاطبة. أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة، وأما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار، فقد تفضل على الجميع ليشكروه ﴿ ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ أي: فضله كما ينبغي.

تنبيه

روي عن ابن عباس: أن الآية عني بها قوم كثيرو العدد خرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد في سبيل الله فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوهم. فكأنها ذكرت ممهدة للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى:

وقتلوا في سبيل الله

[البقرة: 244].

ومعلوم أن سورة البقرة مما نزل في المدينة إثر الهجرة قبل فتح مكة، وكان العدو في مكة وما حولها في كثرة وقوة ومنعة، فأمر المسلمون المهاجرون ومن آواهم أن يقاتلوا في سبيل الله. وقص لهم من الأنباء ما فيه بعث لهم على الجهاد وتبشير لهم بالفوز والعاقبة، وأن يكونوا في قلة وضعف، ما داموا مستمسكين بحبل الوفاق والصبر والمصابرة. وقد ذهب بعض الرواة إلى أن هذه الآية عنى بها ما قص في التوراة عن حزقيل - أحد أنبياء بني إسرائيل - أنه أوحي إليه أن يخرج إلى فلاة واسعة قد ملئت عظاما يابسة من موتى بني إسرائيل.

وأن يناديها باسمه تعالى. فجعلت تتقارب ثم كسيت لحما. ثم نادى أرواحها فعادت إلى أجسامها واستووا أحياء على أقدامهم بأمره تعالى. وهم جيش كثير جدا. وأوحى إلى حزقيل أنهم سيعودون إلى وطنهم بعد أن أجلوا عنه، وهذه القصة مبسوطة في توراتهم في الفصل السابع والثلاثين من نبوة حزقيل.

وممن روي عنه أنه عني بهذه الآية نبأ حزقيل، وهب بن منبه وأشعث بن أسلم البصري والحجاج بن أرطاة والسدي وهلال بن يساف وغيرهم. أخرجه عنهم ابن جرير. فإن صحت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات حزقيل في إحياء الموتى له كما أحيي لعيسى عليه السلام. فيرى قومه ما لا ييأسون معه من جهاد عدوهم ليسترجعوا وطنهم الذي أجلاهم عنه عدوهم. لأن حزقيل كان فيمن أجلى إلى بابل. قالوا ونبوته تتضمن القضاء المنزل على بني إسرائيل وبشرى السلام الذي يعقب ذلك القضاء. وقد نقل ابن كثير عن عطاء أنه قال في هذه الآية: إنها مثل. ولعل مراده أنها مثل في تكوينه تعالى أمة قوية تقهر وتغلب وتسوس غيرها بعد بلوغها غاية الضعف والخمول. فكان حياتها وموتها تمثلا لحالتيها قبل وبعد. فيكون إشعارا بما ستصير إليه العرب من القوة العظيمة والمدنية الفخيمة. وتنبيها على أن الوصول إلى ذلك إنما يكون بجهاد الظالمين واتفاق المتقين على دحر المتغلبين الباغين والله أعلم.

محاسن التأويل · الصفحة ٢٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٧٩