71 - سورة نوح
71.1-4
﴿ إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ﴾ يعني: عذاب الطوفان. ﴿ قال يقوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم ﴾ أي: يعفو عنها. و ﴿ من ﴾ إما مزيدة، أو تبعيضية. وهو ما وعدهم العقوبة عليها. وأما ما لم يعدهم العقوبة عليها، فقد تقدم عفوه لهم عنها. أو هو ما سبق، فإن الإسلام يجب ما قبله ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ وهو أقصى ما قدره بشرط الإيمان. أي: فلا يعاجلكم بعذاب غرق أو نحوه. ﴿ إن أجل الله ﴾ أي: الذي كتبه على من كذب وتولى ﴿ إذا جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ﴾ أي: من أهل العلم والنظر لأنبتم.
71.5-14
﴿ قال ﴾ أي: نوح بعد أن بذل غاية الجهد، وضاقت عليه الحيل، في تلك المدد الطوال، ﴿ رب إني دعوت قومي ﴾ أي: إلى التوحيد والعمل الصالح ﴿ ليلا ونهارا ﴾ أي: دائما بلا فتور ولا توان. ﴿ فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا ﴾ أي: من الحق الذي أرسلتني به ﴿ وإني كلما دعوتهم ﴾ أي: إلى الإيمان ﴿ لتغفر لهم ﴾ أي: بسببه ﴿ جعلوا أصابعهم في آذانهم ﴾ أي: سدوا مسامعهم من استماع الدعوة ﴿ واستغشوا ثيابهم ﴾ أي: تغطوا بها من كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في الدين ﴿ وأصروا ﴾ أي: على الشر والكفر ﴿ واستكبروا استكبارا ﴾ أي: تعاظموا عن الإذعان للحق، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة ﴿ ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ﴾ أي: دعوتهم مرة بعد مرة، على وجوه متنوعة، ما بين مجاهرة وإظهار بلا خفاء، وما بين إعلان وصياح بهم، وما بين إسرار فيما بيني وبينهم في خفاء. وهذه المراتب أقصى ما يمكن للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر. ﴿ فقلت استغفروا ربكم ﴾ أي: سلوه العفو عما سلف بالتوبة النصوح ﴿ إنه كان غفارا ﴾ أي: لذنوب من تاب وأناب. ﴿ يرسل السمآء ﴾ أي: المطر ﴿ عليكم مدرارا ﴾ أي: متتابعا. ﴿ ويمددكم بأموال وبنين ﴾ أي: فيكثرها عندكم ﴿ ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ﴾ أي: لسقيا جناتكم ومزارعكم. ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقارا ﴾ أي: لا ترون له عظمة، إذ تشركون معه ما لا يسمع ولا يبصر. فنفي الرجاء مراد به نفي لازمه، وهو الاعتقاد مبالغة. وجوز أن يكون الرجاء بمعنى: الخوف، أي: ما لكم لا تخافون عظمة الله ومنه قوله:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
قال الشهاب: وهو أظهر.
﴿ وقد خلقكم أطوارا ﴾ أي: تارات، ترابا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنة، وهكذا طورا بعد طور. أي: ومقتضى علم ذلك شدة الرهبة من بطشه وأخذه، لعظيم قدرته. هذا في أنفسكم. وهكذا يستدل على باهر عظمته، وقاهر قدرته من آياته الكونية. كما قال:
﴿ ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت طباقا... ﴾.