الفائدة الثالثة: لم يسم الشيطان في الآية، إذ لا حاجة ماسة إلى اسمه، كما تقدم في الشجرة.
ولما قدم الله تعالى دعوة الناس عموما، وذكر مبدأهم - دعا بني إسرائيل خصوصا، وهم اليهود، لأنهم كانوا أولى الناس بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، وقد جرى الكلام معهم (من هنا إلى الآية رقم 142) فتارة دعاهم بالملاطفة، وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر عقوباتهم التي عاقبهم بها، كما سيأتي تفصيله، فقال تعالى:
﴿ يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت... ﴾.
2.40
﴿ يبني إسرائيل ﴾ أي: أولاد يعقوب، وقد هيجهم تعالى بذكر أبيهم إسرائيل، كأنه قيل: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم، كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا، ويا ابن العالم، اطلب العلم ﴿ اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ﴾.
قال ابن جرير: نعمه التي أنعم بها على بني إسرائيل: اصطفاؤه منهم الرسل، وإنزاله عليهم الكتب، واستنقاذه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضراء من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المن والسلوى، فأمر جل ثناؤه، أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلى آبائهم على ذكر، وألا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحل بهم من النقم، ما أحل بمن نسى نعمه عنده منهم وكفرها، وجحد صنائعه عنده.
﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإيي فارهبون ﴾ العهد هو الميثاق، وقد أشير إليه في قوله تعالى:
ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار
[المائدة: 12] الآية. فعهد الله هو وصيته لهم، بما ذكر في الآية. ومنها: الإيمان برسله المتناول لخاتمهم، عليه السلام؛ لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة. وعهده تعالى إياهم، هو أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة.
وقوله تعالى: ﴿ وإيي فارهبون ﴾ قال ابن جرير: أي: اخشوني واتقوا، أيها المضيعون عهدي من بني إسرائيل، والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت على أنبيائي أن تؤمنوا به وتتبعوه، أن أحل بكم من عقوبتي إن لم تتوبوا إلي باتباعه والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللت بمن خالف أمري، وكذب رسل من أسلافكم.