تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتأمل الفرق، واحمد الله على اتباع الحق.

الثالث: قال الإمام: ما يقوله الكثير من الناس من أن الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة النصف من شعبان، وأن الأمور التي تفرق فيها هي: الأرزاق والأعمار، وكذلك ما يقولونه من مثل ذلك في ليلة القدر، فهو من الجراءة على الكلام في الغيب بغير حجة قاطعة. وليس من الجائز لنا أن نعتقد بشيء من ذلك، ما لم يرد به خبر متواتر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. ومثل ذلك لم يرد، لاضطراب الروايات، وضعف أغلبها، وكذب الكثير منها. ومثلها لا يصح الأخذ به في باب العقائد. ومثل ذلك يقال في بيت العزة، ونزول القرآن فيه جملة واحدة في تلك الليلة. فإنه لا يجوز أن يدخل في عقائد الدين. لعدم تواتر خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يجوز لنا الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه. وإلا كنا من الذين

إن يتبعون إلا الظن

[النجم: 28] نعوذ بالله. وقد وقع المسلمون في هذه المصيبة، مصيبة الخلط بين ما يصح الاعتقاد به من غيب الله ويعد من عقائد الدين، وبين ما يظن به للعمل على فضيلة من الفضائل، فاحذر أن تقع فيها مثلهم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

98 - سورة البينة

98.1-3

﴿ لم يكن الذين كفروا ﴾ أي: جحدوا نبوة النبي صلوات الله عليه بعنادهم، بعد ما تبينوا الحق منها ﴿ من أهل الكتاب ﴾ أي: اليهود والنصارى الذين عرفوه وسمعوا أدلته وشاهدوا آياته، لم يكونوا هم ﴿ والمشركين ﴾ أي: وثنيي العرب ﴿ منفكين ﴾ أي: عن غفلتهم وجهلهم بالحق، ووقوفهم عند ما قلدوا فيه آباءهم، ولا يعرفون من الحق شيئا ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ أي: الحجة القاطعة المثبتة للمدعي، وهي هنا النبي صلى الله عليه وسلم. فمجيئه هو الذي أحدث هذه الرجة فيما رسخ من عقائدهم وتمكن من عوائدهم، حتى أخذوا يحتجون لعنادهم ومناكرتهم بأنه كان شيئا معروفا لهم، يصلون إليه بما كان لديهم، ولكنه ليس بمستحق أن يتبع. فإن ما هم فيه أجمل وأبدع. ومتابعة الآباء فيه أشهى إلى النفوس وأمتع. تلك البينة التي تعرفهم وجه الحق هي ﴿ رسول من الله ﴾ أي: محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يتلوا صحفا مطهرة ﴾ وهي صحف القرآن المطهرة من الخلط وحشو المدلسين، فلهذا تنبعث منها أشعة الحق حتى يعرفه طالبوه ومنكروه معا ﴿ فيها كتب قيمة ﴾ أي: مستقيمة لا عوج فيها. واستقامة الكتب اشتمالها على الحق الذي لا يميل إلى باطل

لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد

[فصلت: 42] والكتب التي في صحف القرآن ومصاحفه، إما أن تكون هي ما صح من كتب الأولين كموسى وعيسى وغيرهما، مما حكاه الله في كتابه عنهم. فإنه لم يأت منها إلا بما هو قوي سليم. وقد ترك حكاية ما لبس فيه الملبسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه. ولهذا لم يجد الجاحدون لرسالته عليه السلام من أهل الكتاب سبيلا إلى إنكار الحق. وإنما فضلوا عليه سواه. أو هي سور القرآن. فإن كل سورة من سوره، كتاب قويم. فصحف القرآن أو صحائفه وأوراق مصحفه تحتوي على سور من القرآن هي كتب قيمة. ولما كان لسائل أن يسأل: إذ كان هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، قد انفكوا عن ذلك الظلام المطبق، وبدا لهم من الحق ما عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فما بالهم لم يؤمنوا بهذا الحق الذي جاءهم؟ أجاب الحق تعالى بأن أهل الكتاب قد جاءتهم البينة والحجة القاطعة على الحق الذي لا يختلف وجهه، بما أوحى الله به إلى أنبيائهم. وكان من حقهم أن يسترشدوا بكتبهم في معرفة سبيله حتى لا ينحرفوا عنه. فإذا عرض لأحدهم شبهة رجع في كشفها إلى العارف بمعاني الكتب. ثم كان عليهم أن يحرصوا على تعلم معانيها وفهم أساليبها ويحافظوا عليها حتى لا يضللهم فيها مضلل. لكن هذه البينة لم تفدهم شيئا فإنهم اختلفوا في التأويل وتفرقوا في المذاهب حتى صار أهل كل مذهب يبطل ما عند أهل المذهب الآخر. وكان ذلك بغيا منهم، واستمرارا في المراء، وإصرارا على ما قاد إليه الهوى. وهذا هو قوله تعالى: ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب... ﴾

محاسن التأويل · الصفحة ٣٠٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٠٤٦