" ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ".
2.187
وقوله تعالى: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم ﴾ إرشاد إلى ما شرعه في الصوم - بعد بيان إيجابه على من وجب عليه، وحاله معه حضرا أو سفرا، وعدته - من إحلال غشيان الزوج ليلا. وكأن الصحابة تحرجوا عن ذلك ظنا أنه من تتمة الصوم، ورأوا أن لا صبر لأنفسهم عنه، فبين هم أن ذلك حلال لا حرج فيه.
وقد روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾.
إيذانا بأنه أحله ولم يحرمه؛ إذ لم يشرع من فضله ما فيه إعنات وحرج.
والرفث: أصله قول الفحش. وكنى به هنا عن الجماع وما يتبعه. كما كنى عنه في قوله:
فلما تغشاها
[الأعراف: 189]، وقوله:
فأتوا حرثكم
[البقرة: 223]، فالله تعالى كريم يكنى، وإيثار الكناية عنه - هنا - بلفظ الرفث الدال على معنى القبح - عدا بقية الآيات - استهجانا لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانا لأنفسهم. والكناية عما يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه من سنن العرب. وللثعالبي في آخر كتابه فقه اللغة فصل في ذلك بديع.
ثم إن المستعمل الشائع: رفث بالمرأة - بالباء - وإنما عدى هنا بإلى لتضمنه معنى الإفضاء، كما في قوله:
وقد أفضى بعضكم إلى بعض
[النساء: 21].
﴿ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ قال الراغب: جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه سترا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السوأة. وعلى ذلك كنى عن المرأة بالإزار، وسمي النكاح حصنا لكونه حصنا لذويه عن تعاطي القبيح.
وهذا ألطف من قول بعضهم: شبه كل واحد من الزوجين - لاشتماله على صاحبه في العناق والضم - باللباس المشتمل على لابسه، وفيه قال الجعدي:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها
تثنت فكانت عليه لباسا
وقال الزمخشري: فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿ هن لباس لكم ﴾؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة، قل صبركم عنهن، وصعب عليكم اجتنابهن؛ فلذلك رخص لكم في مباشرتهن.
﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ استئناف آخر مبين لما ذكر من السبب وهو اختيان النفس، أي: قلة تصبيرها من نزوعها إلى رغيبتها. ومنه: خانته رجلاه إذا لم يقدر على المشي. أي: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو لم يحل لكم ذلك فأحله رحمة بكم ولطفا، وفي الاختيان وجه آخر وهو: أنه عنى به مخالفة الحق بنقض العهد، أي: كنتم تظلمونها بذلك - بتعريضها للعقاب - لو لم يحل ذلك لكم.
قالوا: والاختيان أبلغ من الخيانة - كالاكتساب من الكسب - ففيه زيادة وشدة.
ثم أشار تعالى إلى لطفه بالمؤمنين بتخفيفه ما كان يغلهم ويثقلهم ويخونهم لولا رحمته، بقوله: ﴿ فتاب عليكم ﴾ أي: عاد بفضله وتيسيره عليكم برفع الحرج في الرفث ليلا: ﴿ وعفا عنكم ﴾ أي: جاوز عنكم تحريمه، فالعفو بمعنى التوسعة والتخفيف. ﴿ فالآن بشروهن ﴾ قال أبو البقاء: حقيقة الآن الوقت الذي أنت فيه؛ وقد يقع على الماضي القريب منك، وعلى المستقبل القريب وقوعه. تنزيلا للقريب منزلة الحاضر وهو المراد - هنا - لأن قوله: ﴿ فالآن بشروهن ﴾ أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم الجماع فيه من الليل قد أبحناه لكم فيه؛ فعلى هذا الآن ظرف! ﴿ بشروهن ﴾. وقيل: الكلام محمول على المعنى، والتقدير: فالآن قد أبحنا لكم أن تباشروهن. ودل على المحذوف لفظ الأمر الذي يراد به الإباحة. فعلى هذا، الآن على حقيقته.
وأصل المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة. كنى بها عن الجماع الذي يستلزمها ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ تأكيد لما قبله، أي: ابتغوا هذه الرخصة التي أحلها لكم. و ﴿ كتب ﴾ هنا، إما بمعنى جعل كقوله: