تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.120

﴿ لله ملك السموت والأرض وما فيهن ﴾ تحقيق للحق وتنبيه على كذب النصارى وفساد ما زعموا في المسيح وأمه. وذلك من تقديم الظرف؛ لأنه المالك لا غيره، فلا شريك له. ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ أي: مبالغ في القدرة. فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته ومشيئته. فلا نظير له ولا وزير. لا إله غيره ولا رب سواه.

روى ابن وهب عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة. أخرجه الترمذي والحاكم. وأخرجا أيضا عن عائشة قالت: آخر سورة نزلت المائدة والفتح - كذا في (الإتقان) -.

كمل ما قدره تعالى على عبيده من محاسن تأويل هذه السورة الشريفة

بعد عصر يوم الجمعة في 19 رمضان عام 1320

في السدة اليمنى العليا من جامع السنانية.

والحمد لله رب العالمين

6 - سورة الأنعام

6.1

﴿ الحمد لله ﴾ أي: جميع المحامد، بما حمد به نفسه أو خلقه، أو حمد به الخلق ربهم، أو بعضهم، مخصوص به. ثم أخبر عن قدرته الكاملة، الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد بقوله: ﴿ الذي خلق السموت والأرض ﴾ خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات، فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع؛ لأن السماوات بأوضاعها وحركاتها أسباب الكائنات والفاسدات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية. والأرض مشتملة على قوابل الكون والفساد التي هي المسببات.

﴿ وجعل الظلمت والنور ﴾ أي: أوجدهما منفعة لعباده، في ليلهم. ونهارهم. وههنا:

لطائف

الأولى: أن المقصود من الآية: التنبيه على أن المنعم بهذه النعم الجسام هو الحقيق بالحمد والعبادة، دون ما سواه.

الثانية: لفظ جعل يتعدى إلى واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ، كما هنا؛ وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله:

وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا

[الزخرف: 19]. والفرق بين الخلق والجعل: أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان. ومن ذلك:

وجعل منها زوجها

[الأعراف: 189]،

أجعل الآلهة إلها واحدا

[ص: 5]، وإنما حسن لفظ (الجعل) ههنا، لأن النور والظلمة لما تعاقبا، صار كأن كل واحد منهما إنما تولد من الآخر - قاله الرازي - وسبقه إليه الزمخشري.

قال الناصر في (الانتصاف): وقد وردت (جعل) و (خلق) موردا واحدا. فورد:

وخلق منها زوجها

[النساء: 1]، وورد:

وجعل منها زوجها

[الأعراف: 189]، وذلك ظاهر في الترادف. إلا أن للخاطر ميلا إلى الفرق الذي أبداه الزمخشري. ويؤيده أن (جعل) لم يصحب السماوات والأرض، وإنما لزمتهما (خلق). وفي إضافة (الخلق) في هذه الآية إلى السماوات والأرض، و (الجعل) إلى الظلمات والنور، مصداق للمميز بينهما - والله أعلم -.

الثالثة: إن قيل: لم جمعت السماوات دون الأرض مع أنها مثلهن؟ لقوله تعالى:

ومن الأرض مثلهن

[الطلاق: 12]، وفي الحديث:

" " هل تدرون ما هذه؟ " قالوا: هذه أرض. قال: " هل تدرون ما تحتها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: " أرض أخرى، وبينهما مسير خمسمائة عام " حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام "

- أخرجه الترمذي، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه.

فالجواب: لأن السماوات طبقات متفاضلة بالذات، مختلفة بالحقيقة، بخلاف الأرضين - كما قاله البيضاوي -.

وقال الرازي: إن السماء جارية مجرى الفاعل. والأرض مجرى القابل. فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر، وذلك يخل بمصالح هذا العالم. أما لو كانت كثيرة اختلفت الاتصالات الكوكبية، فحصل بسببها الفصول الأربعة، وسائر الأحوال المختلفة، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم. أما الأرض فهي قابلة للأثر، والقابل الواحد كاف في القبول.

انتهى. وقدم السماوات لشرفها وعلو مكانها.

الرابعة: الظاهر في (الظلمات والنور) أن المراد منهما: الأمران المحسوسان بحس البصر. والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما. والأصل حمل اللفظ على حقيقته؛ ولأن (الظلمات والنور) إذا قرنا بالسماوات والأرض، لم يفهم منهما إلا الأمران المحسوسان.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٦٢