تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران بمنى. وكذلك كان ابن عمر يفعل، ولم ينحر صلى الله عليه وسلم قط إلا بعد أن حل، ولم ينحره قبل يوم النحر ولا أحد من الصحابة، البتة.

﴿ فمن لم يجد ﴾ الهدي ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج ﴾ أي: بعد الإحرام وقبل الفراغ من أعماله، والأولى سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه.

قال الراغب إن قيل: كيف قال: ﴿ في الحج ﴾؟ ومتى أحرم يوم عرفة لا يمكنه صيام ثلاثة أيام في الحج لأنه منهي عنه في يوم النحر وأيام التشريق؟ قيل: الواجب على المتمتع أن يحرم بالحج على وجه يمكنه الإتيان بالصيام لثلاثة أيام، وذلك بتقديم الإحرام قبل يوم عرفة. وقد قال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام التشريق. ويحملان النهي على صوم أيام منى على غير المتمتع.

﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ أي: إلى أهليكم، أو إذا أخذتم في الرجوع بعد الفراغ من أعمال الحج.

قال الراغب: وإطلاق اللفظ يحتمل الأمرين جميعا، فيصح حمله عليهما.

إلا أن الذي يرجع الوجه الأول ما روى في الصحيحين من حديث ابن عمر الطويل وفيه:

" فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ".

﴿ تلك عشرة ﴾ فذلكة حساب، أي: إجمال بعد تفصيل، وفائدتها: ألا يتوهم أن الواو بمعنى أو وأن الكلام على التخيير، بل المجموع بدل الهدى...! وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا، فيحاط به من وجهين فيتأكد العلم. وفي المثل: علمان خير من علم، فإن أكثر العرب لا يعرف الحساب. فاللائق الخطاب الذي يفهمه الخاص والعام. وهو ما يكون بتكرار الكلام وزيادة الإفهام..!

وفائدة ثالثة: وهو أن المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما!...

وفائدة رابعة: أشار لها الراغب وهو:

إن قوله: ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ استطراد في الكلام، وتنبيه على فضيلة علم العدد، ولذا قيل: العدد أول العلوم وأشرفها. أما أنه أول، فلأن ما عداه معدول منه، وبه يفصل ويميز. وأما كونه أشرف، فلأنه لا اختلاف فيه ولا تغير، بل هو لازم طريقة واحدة. فذكر العشرة ووصفها بالكاملة. إذ هي عدد كمل فيه خواص الأعداد، فإن الواحد مبدأ العدد، والاثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول عدد زوج محدود - أي: مجتمع من ضرب عدد في نفسه - والخمسة أول عداد دائر، والستة أول عدد تام - أي: إذا أخذ جميع أجزائه لم يزد عليه ولم ينقص منه - والسبعة أول عدد أول - أي: لا يتقدمه عدد بعده - والثمانية أول عدد زوج الزوج، والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة أول عدد ينتهي إليه العدد، لأن ما بعده يكون مكررا بما قبله، فإذن العشرة هي العدد الكامل.

.

﴿ كاملة ﴾ صفة مؤكدة لعشرة تفيد المبالغة في المحافظة على العدد، ففيه زيادة توصية لصيامها، وألا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها، كأنها قيل: تلك عشرة كاملة، فراعوا كمالها ولا تنقصوها. ﴿ ذلك ﴾ أي: وجوب دم التمتع أو بدله لمن لم يجد ﴿ لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ أي: بل كان أهله في مسافة الغيبة منه. وأما من كان أهله حاضريه - بأن يكون ساكنا في مكة - فهو في حكم القرب من الله، فالله تعالى يجبره بفضله.

هذا، وقال بعض المجتهدين: إن ذلك إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله: ﴿ فمن تمتع ﴾ وليست للهدي والصوم، فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، عنده.

وروى ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة! لا متعة لكم. أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا - أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديا - ثم يهل بعمرة..!

وروى عبد الرزاق عن طاووس قال: المتعة للناس لا لأهل مكة. ثم قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاووس، والله أعلم.

والأهل: سكن المرء من زوج ومستوطن. والحضور: ملازمة الموطن.

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٦