تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الفتح: 25]. ومنها: أن الموضع الذي نحر فيه الهدى كان من الحل لا من الحرم؛ لأن الحرم كله محل الهدى.

وقال الإمام مالك في الموطأ: من حبس بعدو فحال بينه وبين البيت، فإنه يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء.

قال: فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو، كما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ أي: فمن كان منكم - معشر المحرمين - مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر ويحوجه إلى الحلق، أو كان به أذى من رأسه - كجراحة وقمل - عليه إن حلق، فدية من صيام أو صدقة أو نسك. وقد نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاري رضي الله عنه قال:

" حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: " ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا..! أما تجد شاة؟ " قلت: لا! قال: " صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك "

فنزلت في خاصة وهي لكم عامة، رواه الشيخان وغيرهما. واللفظ للبخاري.

وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال:

" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أيؤذيك هوام رأسك؟ " قلت: نعم. فأمره أن يحلق. قال: ونزلت هذه الآية "

قال ابن عباس: إذا كان أو أو فأية أخذت أجزأ عنك! وعامة العلماء: أنه يخير في هذا المقام إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق - وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان - وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء، أي ذلك فعل أجزأه. ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة، جاء بالأسهل فالأسهل. ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك أرشده أولا إلى الأفضل فقال: " أما تجد شاة؟ " فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة. أفاده ابن كثير.

تنبيه

استفيد من الآية أحكام:

الأول: جواز الحلق من المحرم، واللبس للمخيط للضرورة، ووجوب الفدية عليه، وذلك لبيان سبب النزول.

الثاني: تحريم الحلق ولبس المخيط لغير عذر، وهذا مأخوذ من المفهوم لأنه مصرح به، وذلك إجماع.

الثالث: أن الفدية الواجبة تكون من أجناس الثلاثة وهي: الصيام، أو الصدقة، أو النسك، وقد ورد بيانها في حديث كعب.

الرابع: أن الفدية واجبة على التخيير كما بينا.

قال الراغب: وظاهر الآية يقتضي أنه لا فرق بين قليل الشعر وكثيره، بخلاف ما قال أبو حنيفة رحمه الله، حيث لم يلزم إلا بحلق الثلث. وغيره لم يلزم إلا بحلق الربع.

لطيفة

أصل النسك العبادة وسميت ذبيحة الأنعام نسكا؛ لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى.

قال أبو البقاء: والنسك - في الأصل - مصدر بمعنى المفعول؛ لأنه من: نسك ينسك، والمراد به ههنا المنسوك، ويجوز أن يكون اسما لا مصدرا، ويجوز تسكين السين. انتهى.

﴿ فإذآ أمنتم ﴾ أي: كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين ﴿ فمن تمتع بالعمرة ﴾ أي: بإحرامه بها في أشهر الحج. ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت، ويستمر حلالا في سفره ذلك ﴿ إلى الحج ﴾ أي: إلى وقت الإحرام بالحج ﴿ فما ﴾ أي: فعليه ما ﴿ استيسر ﴾ أي: تيسر: ﴿ من الهدي ﴾ من النعم، يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل.

وفي النهاية صورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوالا فقد صار متمتعا بالعمرة إلى الحج، وسمي به؛ لأنه: إذا قدم مكة، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، حل من عمرته، وحلق رأسه، وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه، وحل له كل شيء؛ كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب، ثم ينشئ بعد ذلك إحراما جديدا للحج وقت نهوضه إلى منى، أو قبل ذلك، من غير أن يجب عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته، فذلك تمتعه بالعمرة إلى الحج، أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلق وطيب وتنظف وقضاء تفث وإلمام بأهله، إن كانت معه.

محاسن التأويل · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢١٥